كثر الكلام في الفترة الأخيرة عن التجاوزات العديدة لوسائل الإعلام المختلفة وخاصة بعض الفضائيات وانحطاطها وترويجها لقيم هابطة بعيدة كل البعد عن الأخلاق والآداب والمبادئ التي يقوم عليها المجتمع، الأمر الذي أدى بالعديد من الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني في العديد من الدول العربية بالمطالبة بمواثيق الشرف وأخلاقيات الممارسة الإعلامية لحماية المجتمع من السموم التي تبثها بعض المؤسسات الإعلامية.
جمعية الصحافيين بدولةالإمارات العربية المتحدة بصدد مناقشة مسودة ميثاق الشرف الصحافي وأخلاقيات المهنة من أجل وضع معايير يتفق عليها الصحافيون والمسؤولون والإداريون والناشرون من أجل ضبط آليات العمل الصحافي وحماية المهنة من الانتهازيين والمتطفلين الذين يستغلون الوسائل الإعلامية ويستعملونها لتحقيق أهداف ومصالح ضيقة بعيدا عن قيم وأخلاق المجتمع.
الأوساط الأكاديمية العلمية التي اهتمت بدراسة الإعلام والاتصال لم تول العناية اللازمة لدراسة البعد الأخلاقي للمؤسسة الإعلامية وللعملية الإعلامية في المجتمع العربي بصفة خاصة والعالم بصفة عامة.
في الولايات المتحدة الأميركية على سبيل المثال ظهرت مواثيق الشرق وأخلاقيات الصحافة في العشرينات من القرن الماضي، ورغم هذا فإن المشاكل الأخلاقية والتجاوزات والضغوط التي تعيشها وسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم لا تعد ولا تحصى والخلافات مازالت قائمة بين الناشرين والممارسين والقطاعات المختلفة في المجتمع.
تعاني مهنة المتاعب في هذا العصر من التلاعب والابتزاز والاستغلال، والجميع يحاول استعمالها واستغلالها وابتزازها - السلطة السياسية والقوى المالية -ولو كان ذلك على حساب الأخلاق والقيم والمبادئ.
يُشرع في إنشاء المؤسسة الإعلامية العربية في غالب الأحيان دون النظر في مستلزمات كثيرة يجب توفيرها وتحديدها قبل العمل الإعلامي نفسه.
مؤسسات إعلامية عربية كثيرة لا تعرف من ميثاق الشرف إلا الاسم، ومؤسسات إعلامية عربية كثيرة لا تعرف من نقابة الصحافيين إلا الاسم كذلك. وكلنا يعلم أن معظم المهن في المجتمعات المعاصرة لها قوانينها ومواثيقها الأخلاقية ونقاباتها من أجل صيانتها وحمايتها والذود عنها وحماية من يمارسها ومراقبته حتى لا يستغل المهنة لأغراض بعيدة عن القيم والأخلاق وحتى لا يُظلم أو يُهان أو يٌستعمل بطريقة غير أخلاقية.
ميثاق الشرف الإعلامي وثيقة إستراتيجية ومحورية لا بد منها للمؤسسة الإعلامية وأداة من أدوات العمل الإعلامي الناجح. فكل مؤسسة إعلامية مطالبة بأن تحدد بكل وضوح ودقة المحرمات والمبيحات، وواجبات القائم بالاتصال وحقوقه.
وعادة تتحدد المحاور الرئيسية لميثاق الشرف الإعلامي فيما يلي: المسؤولية، الأخلاق، الدقة، والموضوعية، المصداقية، احترام شعور وديانات ومقدسات الآخرين، احترام خصوصية أفراد المجتمع، حق الجمهور في الأخبار والمعرفة والمعلومات، الالتزام باحترام المهنة والدفاع عنها وحمايتها من كل من يحاول المتاجرة بها أو استعمالها لأغراض غير المصلحة العامة.
عندما تنعدم الأخلاق وتسيطر النزوات الشخصية أو الحزبية أو المالية أو التجارية، تبتعد المؤسسة الإعلامية عن خدمة المصلحة العامة وهذا يعني أنها بدلا من أن تكون المراقب العام في المجتمع والمدافع على الطبقات المحرومة تصبح في يد حفنة من أصحاب النفوذ السياسي والمالي تستعملها وتسخرها لخدمة مصالحها وحتى لو كانت على حساب المصلحة العامة.
هذا بطبيعة الحال يؤدي إلى انعدام المصداقية وتدهور العلاقة بين الشرائح الاجتماعية العريضة في المجتمع والمؤسسة الإعلامية. من جهة أخرى، تعاني المؤسسة الإعلامية في العديد من الدول العربية من مساومات وعمليات ابتزازية واستغلالية ومن تدخلات ومن تحكم وتوجيه تجعلها مؤسسة تبتعد كل البعد عن جمهورها وعن خدمة المصلحة العامة لصالح المتطفلين - نظرا لنفوذهم السياسي أو المالي الخ - الذين ينظرون إلى المجتمع بكامله من خلال مصالحهم فقط.
ويصعب هنا الكلام عن الأخلاق أو ميثاق الشرف أو المصلحة العامة إذا كانت المؤسسة الإعلامية تحت رحمة حفنة من أصحاب الجاه والمال والنفوذ. والمؤسسة الإعلامية في المجتمع، مثلها مثل القائم بالاتصال، الذي يصنع المنتج الإعلامي الذي يقدم للجمهور، يجب أن تكون لديها رسالة نبيلة تعمل من أجل تحقيقها والدفاع عنها وهي تقديم الحقيقة للرأي العام وتقديم مختلف وجهات النظر وتوفير الإمكانية للجمهور للإطلاع على خلفيات مجريات الأمور في المجتمع وفي العالم بأسره.
فمن واجب المؤسسة الإعلامية الملتزمة أن تبذل قصارى جهودها لإبراز الحق وتبيان الباطل، ومن واجبها أن تطرح للنقاش القضايا التي تخص المظلوم، والمهمش والمسكين والفقير الذي لا حول ولا قوة له. فإذا كان الهدف النبيل موجودا والنية موجودة والمستلزمات متوفرة (قوانين، تشريعات، نقابات مهنية، مواثيق أخلاقية) وكذلك المناخ الديمقراطي وحرية الفكر والرأي والتعبير وثقافة احترام الفرد في المجتمع، في هذه الحالة يستطيع الشارع العربي أن يتكلم عن مؤسسات إعلامية فاعلة ومؤثرة، تساهم في صناعة رأي عام مستنير ومشارك في تحديد مصير الأمة.
المؤسسة الإعلامية في المجتمع، مؤسسة اجتماعية وليست مجرد وسائل لبيع مساحات للإعلانات وتحقيق الربح السريع، كما أنها ليست وسيلة لبث رسائل وبرامج هابطة لضمان أكبر عدد ممكن من الجمهور. فالمجتمع بكامله وبمختلف شرائحه وفئاته ينتظر رسالة إعلامية هادفة و مسؤولة من أجل نشر الثقافة والعلم والأصالة والفكر والتحليل السليم في إطار القيم والأخلاق والمبادئ العربية الإسلامية الأصيلة.
الممارسة الإعلامية مهنة نبيلة يجب أن تمارس وفق الأسس الأخلاقية والقانونية والتشريعية والمهنية. فالمؤسسة الإعلامية مسؤولة أمام المجتمع وأمام الرأي العام، و مسؤولة مسؤولية أخلاقية كبيرة جدا عندما تضخم أشياء وتحجب أشياء أخرى، وعندما تركز على عناصر معينة في الخبر دون غيرها. وجريمة التضليل والتزييف والمغالطة والتلاعب والتعتيم والتشويه أخطر بكثير من أي جريمة أخرى لأن المؤسسة الإعلامية عندما تضلل أو تزيف الحقائق فإنها بذلك تزيف آراء وأفكار ملايين البشر، وهنا تكمن أهمية الأخلاق والالتزام والنزاهة والمصداقية والموضوعية في العمل الإعلامي.
ما نلاحظه في الميدان وفي الممارسة الإعلامية اليومية هو طغيان أحد الأمرين، إما الجانب التجاري وفي هذه الحالة نلاحظ سيطرة البعد المالي وبعد الربح والفائدة على الصالح العام، أو هيمنة الجانب السياسي وفي هذه الحالة تصبح المؤسسة الإعلامية الناطق الرسمي الوفي والملتزم لصاحب السلطة والقرار وفي كلتا الحالتين تكون الضحية الحقيقة والرأي العام والقرار الرشيد والفئات العريضة من المجتمع.
تجدر الإشارة هنا أنه ليس هنالك تناقض صارخ بين التجارة والاعلام، فإذا وجدت قوانين وتشريعات وأهم من ذلك مبادئ وأخلاق فإن المؤسسة الإعلامية تستطيع أن تكون تجارية وتخدم الصالح العام والمجتمع. وهذا عندما لا يطغى الجشع و حب الربح السريع على حساب الأهداف النبيلة والمهنة الشريفة والوظيفة التعليمية والتثقيفية والتربوية للوسيلة الإعلامية. فالمؤسسة الإعلامية ليست مصنع شوكولاته ولا مصنع شامبو، بل هي المؤرخ اليومي للأمة وهي ذاكرة المجتمع وهي منبر الآراء والأفكار والحريات.
والصحافي هو الذي يحدد الأجندة ويضع الأولويات ويقرر ما يقدم للجمهور وما يرمى في سلة المهملات وبذلك فإنه يجب عليه أن يكون على درجة عالية من المهنية والحرفية والأخلاق والالتزام والتفاني في خدمة الحقيقة.
كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة