لم نشهد منذ الأيام الأخيرة للرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون ملمحاً بهذا القدر من الوضوح للساسة المتعجرفين الذين يدفعون أنفسهم نحو أخطاء مميتة وعمليات تغطية وتلاعب تم تنفيذها والتخطيط لها بهذا القدر من السوء مثلما تقدمه إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش، يوماً بعد آخر.

ما أغرب أن تصل إلى هذا الحد إدارة اعتزت أشد الاعتزاز بإقامة جدار عازل حول البيت الأبيض واتخاذها لإجراءات من دون تفكير، والجميع فيها يقرأ من السيناريو ذاته ويضرب في الأرض باتجاه واحد! إن ما كان يجب أن يكون قضية بسيطة تتعلق باستبدال قلة من وكلاء النائب العام الأميركيين، سبعة من 93 معينين في مهام سياسية، يهدد الآن بالتهام صديق للرئيس ظل طويلاً في منصبه، وهو النائب العام ألبرتو غونزاليس، وحتى الآن، لا يتعلق الأمر بما تم القيام به، وإنما بما قاله غونزاليس وآخرون في محاولة منهم لحجب الأسباب السياسية الحقيقية لطرد وكلاء النائب العام.

يبدو أن غونزاليس، الذي عمل محامياً لبوش منذ أن كان حاكماً لتكساس، من غير المحتمل أن يصمد طويلاً بما يكفي للحفاظ على موعده المحدد في منتصف ابريل للقاء لجان الكونغرس لتفسير أفعاله وما صدر من العاملين في وزارة العدل من بيانات كاذبة، وتضليل، وإنكار، وأكاذيب صريحة بشأن قضية طرد وكلاء النائب العام هؤلاء، واستخدمت واحدة من هؤلاء المساعدين محامياً مخضرماً من المرتبطين بفضيحة ووترغيت للدفاع عنها،

وأعلنت على وجه السرعة أنها ستختبئ وراء التعديل الخامس للدستور الأميركي لتجنب توريط نفسها عندما تعود إلى الكابيتول هيل، وقد استقال رئيس مكتب غونزاليس عندما بدأت الفضيحة تتكشف وسيشهد أمام الكونغرس، وهو الأمر المحزن لرئيسه السابق وزملائه السابقين في كل من وزارة العدل والبيت الأبيض.

وقد نشرت وزارة العدل ثلاث دفعات من الرسائل الالكترونية حول النقاشات التي أفضت إلى طرد وكلاء النائب العام ، ولكن، في مصادفة أخرى شبيهة بمصادفات نيكسون، فإن هناك هوة 16 يوماً لم يتم تفسيرها في تواصل الرسائل الالكترونية.

وبالمقارنة بذلك فإن نيكسون ترك هوة بلغت 18 دقيقة في أشرطته السرية، وصوت الديمقراطيون الذين يسيطرون على مجلس الشيوخ واللجان العدلية التابعة لمجلس النواب لمنح السلطة لرئيسهم لاستدعاء موظفي البيت الأبيض الرئيسيين، بما في ذلك الساحر السياسي كارل روف، ليشهد تحت القسم فيما يتعلق بعمليات طرد وكلاء النائب العام وأسباب الإقدام على هذا الفعل. وقد عرض الرئيس الأميركي أن يتم إجراء حوارات خاصة، ومغلقة بينهم وبين الديمقراطيين الفضوليين، من دون أي تفريغ لتسجيلات هذه الحوارات ومن دون القسم على قول الحقيقة.

ويهدد الرئيس بنزاع أمام القضاء بشأن الامتياز التنفيذي بينما يقول لبلاده انه ما من إدارة سمحت قط لموظفي البيت الأبيض بأن يشهدوا تحت القسم أمام محققي الكونغرس، وهو أمر يعد، بحد ذاته، كذبة فاضحة، وقد بدأت عجلات العربة الجمهورية في التداعي مع انفجار فضيحة جاك أبراموف وجماعات الضغط التي وضعت عضواً جمهورياً في مجلس النواب وموظفاً سياسياً رفيعاً في وزارة الداخلية وراء القضبان، ومن ثم جاءت قضية رشوة عضو مجلس النواب الجمهوري ديوك كونينغهام واستقالته وسجنه.

وكان أحد وكلاء النائب العام الذين طردوا من مناصبهم يتابع اتهام أحد المسؤولين رفيعي المستوى في وكالة المخابرات المركزية في تلك القضية. ثم جاءت محاكمة سكوتر ليبي، مدير مكتب ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي وإدانته في الحنث باليمين فيما يتعلق بشهادة تحت القسم أمام هيئة المحلفين الكبرى التي تحقق في قضية تسريب اسم عميلة وكالة المخابرات المركزية فاليري بليم. ويستأنف ليبي إدانته الآن آملاً بصدور عفو رئاسي.

كل هذا يعد مؤشراً لما هو مقبل، فيما يتحمل بوش وأقرب معاونيه ما يوشك أن يكون موتاً عبر الضربات في الشهور الأحد والعشرين الأخيرة في مناصبهم. على امتداد ستة أعوام طويلة، قام الجمهوريون بما يحلو لهم، بسيطرتهم على البيت الأبيض وكل من مجلسي الكونغرس. لم يكن هناك إشراف، ولا أحد يطرح أسئلة مزعجة عن العجز الروتيني وسوء الإدارة لكل شيء بدءاً من الحرب في العراق ووصولاً إلى إعادة إعمار نيوأورليانز.

والآن مع سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس وانخفاض شعبية الرئيس بصورة كبيرة، فإن ذلك يعد إيذاناً لبدء المرحلة النهائية لرئاسة ممزقة. بمقدور جورج بوش أن يرسم خطوطاً على الرمل، ويدلي بتصريحات متعجرفة حافلة بالتحدي، ويصدر أوامر للكونغرس، ولكن من الأفضل له أن يشتري مقادير هائلة من الضمادات.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص ل«البيان»