في الساعة الرابعة والنصف من مساء يوم الأحد، العشرين من شهر رجب لسنة 1422 هجرية، الموافق للسابع من أكتوبر لسنة 2001، وعلى إثر تعبئة عسكرية لم يشهد لها التاريخ مثيلا، حشدت فيها المؤسسة «السياعسكرية» الأميركية كل العتاد الحربي الذي تغص به ترسانتها وترسانات حلفائها، انقض النسر الأميركي المتعطش للدماء على قن الدجاج الإسلامي ليختطف الفرخ الأفغاني الشديد الهزال ويفتك به على مرأى ومسمع من كل إخوانه وذويه وبني عمومته،
زاعما أن هذا الذي لا يمتلك أدنى مقومات البنية التحتية لدولة تعيش في القرون الوسطى لدرجة أنه لا يجد فصولا تكفي لتعليم بناته فيعطي الأولوية لأبنائه، وباقتصاده المنهار، وبقوته التي لا تزيد عن ميليشيات مزودة بأسلحة بدائية يدوية التصنيع وبتقنيات يعود رفاتها إلى القرن التاسع عشر، كان يعد العدة لغزو أميركا وأوروبا، ويبيّت النية لتقويض حضارتهما وإعادتهما إلى عصور ما قبل التاريخ!.
عشية هذا الاستعراض الوحشي للقوة الأميركية، والحاصل على درجة امتياز في الإرهاب مع مرتبة الشرف على «دولة الخلافة الطالبانية» في أفغانستان، والذي لم يدخر ذرة من إنسانية وهو يختبر كل أصناف أسلحة الدمار الشامل المدجج بها المشبعة والعنقودية والانشطارية وشبه النووية، وبينما أجساد الأفغان تتبخر بفعل القوة التدميرية والإبادية للأسلحة الأميركية، كانت ردة فعل العالم الإسلامي من إندونيسيا إلى المغرب كالتالي: صمت قبوري في معظم جبهة الحكم الإسلامية والعربية .
وأما عقلاء المسلمين فقد لاذوا بالصبر يتلمسون فيه دواء يضمدون به نزيف معنوياتهم، وإلى كتاب ربهم يستجدون شعاعا من نور وقد تداعت عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها.
ولكن الأيام لم يتسن لها أن تعلمنا شيئا من تلك الدروس، إذ لم يمهل النسر الأميركي المسلمين وقتا ليلتقطوا أنفاسهم، فما لبث أن تخلى عن الفرخ الأفغاني لحلفائه وعملائه يمصمصون عظامه، وأعاد انقضاضته الهمجية على قن الدجاج الإسلامي ليختطف هذه المرة الفرخ العراقي السمين، وأيضا على مرأى ومسمع من كل إخوانه وذويه وبني عمومته، وكأن أميركا تخبئ للعرب والمسلمين فصولا خريفية متتالية من الترويع والإذلال والإلهاء بلعق الجراح وتجبير العظام، لئلا يخلو مسلم واحد إلى نفسه سويعة من الزمن يلملم شتات أفكاره ويعيد ترتيب أوراقه وهو يتلمس بدايات طريق النجاة.
ومع ذلك، فإن تعاقبية الأحداث والمواقف، قد أزالت شيئا من الرمال التي ذرتها رياح النسيان حتى أخفت تحتها ما يحتمل أنه بدايات الطريق، وقدمت إشارات سريعة ولكنها شديدة الأهمية عن ماهية الدروس التي كانت فيما مضى غائبة عن ذاكرتنا وحاضرة في آن واحد، فكان ما يلي بعضا منها:
1- ان رفع البلاء لا يكون بالدعاء وسكب العبرات، ولا بالقعود انتظارا للمبادرات والتحولات المفاجئة، بل لا يكون ابتداءً إلا بعد محاسبة ومراجعة قاسية من كل نفس صادقة لنفسها، واعتبارها نقطة البداية في طريق الإصلاح الطويل والشاق، ثم بتلاحم هذه الخلايا المتعافية واتخاذ الأسباب ورسم أدق خطوط المسار من نقطة القاع إلى ذروة القمة على منهاج المنابع التي لا خيار آخر لنا إلا بالعودة إليها.
2- ان الهزيمة إنما نبتت على جسد الجبهات الداخلية للمجتمعات الإسلامية بسبب هشاشتها واهترائها، وتفككها فيزيائيا إلى فئات وطوائف متنافرة ومتصادمة، ولعل ما يفوق تفككها الطبقي والاقتصادي ونزعاتها الاثنية في الخطورة هو تفككها وتشتتها الفكري إلى عشرات الفئات والشيع والجماعات، وكل منها يزعم تمسكه بعرى الإسلام ومحبته للمسلمين، ثم لا يلبث أن يستحل دماءهم وينتهك أعراضهم ويأكل أموالهم بالباطل، ولأن قوى الشر تعجبها هذه اللعبة المسلية، فإنها لا تترك رمادا إلا ونفخت تحته لتؤجج سعير هذا الصراع، فيتلهى المسلمون عن مطامعها فيهم بضرب بعضهم رقاب بعض.
3- ان تنقية الصفوف المسلمة ليس خيارا، بل حتمية لا تقبل القسمة على اثنين، واسألوا إن شئتم تحالف الشمال ماذا فعل في أفغانستان، أو اسألوا بوابات البصرة وبغداد من فتحها على مصاريعها أمام الجحافل التترية الأميركية والبريطانية.
4- إن سوء تعاملنا مع دسم الثقافة الغربية كان خطأ فادحا جعلنا القليل منه نتعامى عن الكثير من السم الذي بداخل تلك الثقافة، فمن أصلاب المعجبين بعدوهم المنتصر عليهم لدرجة الكفر بثوابتهم وبأمتهم والسجود لأوثان ديمقراطيته وليبراليته، واللامبالاة بكرامتهم وإرادتهم وثقتهم بأنفسهم التي انتزعها منهم، خرج العملاء والخونة والمرجفون والطوابير الخامسة.
5- ان عدم جاهزية المسلمين أو عدم نضوجهم السياسي لا يؤهلهم لتكوين نواة نموذجية لدولة مسلمة معاصرة وقادرة على التعايش مع المجتمع الدولي من خلال احتراف لعبة السياسة الدولية، لقد بات جليا أن شكل الدولة الإسلامية ونموذج مجتمعها في القرن الحادي والعشرين، لا يصح أن يُستدعى من القرن الثالث الهجري (على طريقة طالبان)، كما أن خطابها السياسي والإعلامي يجب أن يتحلى بروح العصر، حتى يكون مستوعبا وجذابا ومؤثرا.
6- ان أدوات الجماعات الإسلامية وأساليبها الدعوية والإصلاحية والخيرية لمجتمعات المسلمين قديمة وغير فعالة، وتدار بمفهوم النوايا الحسنة والنفوس الخيّرة، وكان معظم الجماعات مسيّسة أو مخترقة من الأجهزة المخابراتية، ولهذا فإنها إن بقيت على هذا الحال، فإنها لن تصلح لأن تقدم حلا للإشكالية القائمة، ولا لأن تجسّر الفجوة التي تفصلنا عن المدينة المسلمة الفاضلة، ولا لأن تقدم على الأقل نموذجا يحتذى للمؤسسة المسلمة في الألفية الثالثة.
7- ان الدول الإسلامية تصنف كذلك من الناحية التاريخية فقط، أما من حيث تطبيق الإسلام كمنهج للحياة اليومية من خلال مراجعة الواقع المعاش فإنها لا تزيد على كونها نصف أو ربع أو في الغالب عُشر إسلامية، سواء من حيث تطبيق قيم العدل والحرية والمساواة، أو من حيث تبني المضامين والمفاهيم والتصورات الإسلامية التي تؤطر التنظيم السياسي والاقتصادي والإعلامي والتربوي والثقافي والإداري،
وأما من حيث ممارسة الشعائر التعبدية والأحوال الشخصية فلا تزيد عن كونها حرية شخصية يمارسها المسلمون في بلادهم كما يسمح لهم بممارستها في البلاد غير الإسلامية، أو كما يمارس غير المسلمين ممن يقيمون في بلاد المسلمين دياناتهم وطقوسهم. ولهذا نجد في تجارب الحكومات التي رفعت شعار الإسلام أنها لم تستخدمه إلا كشعار سياسي لا كممارسة يومية، فكان نصيبها من الفشل الداخلي أسوأ من الخارجي، وكان شعارها الأجوف يزيد المسافة التي تفصلها عن الجماهير بعدا يوما بعد يوم.
8- ان الرموز والزعامات الإسلامية من العلماء أو المفكرين أو السياسيين لم يتمكنوا من تجاوز هاجس الخوف من الإيذاء الجسدي أو المعنوي أو من زنازين السلطة، ولم يتمكنوا من الوفاء بمسؤوليتهم التاريخية في الوقت الذي وضعت الأمة فيه كل بيضها في سلتهم، فلم تجن بعد كل هذه السنين إلا أحلاما في اليقظة، وطالما بقيت هذه الرموز والزعامات كذلك فإن صوتها المتحشرج الخافت ولغتها غير المفهومة ودونكيشوتيتها التي تبارز طواحين الهواء ستبقى كأشجار الموز العجوز، بلا ثمرة.
9- أن بناء الدولة الإسلامية لا يكون بالنوايا الطيبة، ولا بالعشوائية، ولا يكون بشعوب مسلوبة الكرامة، أو محرومة من أبسط مقومات الحياة، أو لا حظ لها من العلم والمعرفة، أو لا مشاركة لها في بناء دولتها.
10- ان أحضان الغرب ليست دافئة كما كنا نظن، ولقد ثبت بشكل قاطع أن اتفاقيات التحالف الاستراتيجي معه لم تكن إلا أقفاصا وأفخاخا لاصطيادنا وتقييد حركتنا، وأن اتفاقيات حقوق الامتياز التي منحناها شركاته لم تكن إلا مفاتيح نهبت بها كنوز بلادنا وخيراتها.
11- ان المواطن المسلم العادي لا تؤويه الدولة تحت جناحها، ولكنها تتمنن عليه بالمواطنة طالما بقي داجنا بالمعايير التي تقررها السلطة، أما إذا سولت له نفسه ما عدا ذلك فليس له جزاء إلا صك البراءة منه، واسألوا معتقل غوانتانامو الذي يمتلئ عن بكرة أبيه بالمتبرأ منهم، أو الذين عادوا منه لكي يُدفنوا أحياء في أمعاء السجون.
12-ان قصص العدالة في تاريخ المسلمين ليست إلا حكايات شعبية، أما اليوم فلا مكان للعدالة في مجتمعاتهم لا بمعايير الإسلام ولا بمعايير الديمقراطية، وكأن بعض حكام المسلمين لم يقرأوا يوما أن رجلا قال لعمر بن الخطاب: «والله لو علمنا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا»، وأن عمرا لم يقطع رأس هذا الرجل ولم يفرغ رصاص مسدسه في رأسه، بل قال له والطمأنينة والثقة تملآن نفسه: «الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوم اعوجاج عمر».
هذه الدروس مفادها أن مصادمة أميركا والدول الكبرى وهي في أوج قوتها وتفوقها، ونحن في قعر القاع من الضعف والتخلف والتمزق هي حماقة انتحارية، وأن الخروج من أوحال المستنقع الذي وجدنا أنفسنا فيه لن يتأتي بلا فهم ديناميكي لأبعاد هذه الدروس، وفي اعتقادي أن الجامعات ومراكز الدراسات هي التي تتحمل اليوم مسؤولية صياغة سيناريوهات تصورية لنموذج عصري للدولة المسلمة وللمجتمع المسلم وللمؤسسة المسلمة وللأسرة المسلمة كيف يمكن أن يكون شكلها في المستقبل،
وأيضا وفق منهاج الكتاب والسنة الصحيحة وعلى ثوابتنا ومرتكزاتنا وهويتنا العربية والإسلامية، ولكن بأدوات وأساليب وآليات تناسب العصر، وإذا كنا فيما مضى نقتبس من الغرب مبادئه وقيمه التي بات يدرك هو أكثر من غيره أنها غير قادرة على إسعاد البشرية، فإنه من الأجدر بنا اليوم ونحن في غنى عنها أن ننبذها ونقتبس ما ينفعنا من أساليبه وأدواته الحضارية فقط.
كما أن فهم أبعاد هذه الدروس سيحدد لنا طبيعة التصادم والصراع بيننا وبين الغرب في هذه المرحلة باعتباره حتمية اجتماعية وتاريخية لا ينجو منها حتى المجتمع الواحد، وبهذا ينتقل من ساحات الحرب والدمار التي لسنا مهيئين لها، إلى ساحات أخرى كساحات الاقتصاد والإعلام والثقافة وتقنية المعلومات،
إنه تصادم تفرضه ضرورات إجباره على إعادة حساباته ليتعامل معنا كأمة لا كحديقة خلفية، وهو تصادم تفرضه ضرورات كسر أمواج مدّه التغريبي لإنقاذ أجيالنا المقبلة، وليدرك الغرب أن لدينا الكثير الذي يمكننا أن نقدمه للبشرية قبل أن يمسخ هويتنا ويحولنا إلى قردة وببغاوات وأرانب.
كاتب إماراتي