إذا كان مفهوماً أن التاريخ يكتبه المنتصرون.. فالأمر الذي يدعو إلى القلق والانشغال أن من التاريخ أيضاً ما يكتبه الأوغاد ويرويه الكذابون.. هذا هو الدرس البليغ ـ والمرير المستفاد مما يثيره أحدث كتاب صدر في انجلترا مؤخراً واحد من نجوم القرن التاسع عشر هو «هنري مورتون ستانلي» الذي ارتبط اسمه بالقارة الافريقية بوصفه رائداً ومكتشفاً ومغامراً ومقتحماً لمجاهل القارة السوداء.. غاباتها وبحيراتها وأدغالها وشعوبها إذ كانت إفريقيا حتى القرن التاسع عشر أقرب إلى اللغز المجهول بين قارات العالم.
لقد ذاع صيت ستانلي حتى كاد يطبق الآفاق كما يقولون وخاصة في مرحلة المدّ الذي اجتاح النصف الثاني من القرن المذكور وكان مدّاً شجاعاً بقدر ما كان مغرضاً وشريراً.. بمعنى أنه كان يجمع بين فضول الكشف العلمي والبحث الجغرافي والانثروبولوجي (الدارس للظاهرة البشرية)
وبين الأطماع الإمبريالية وشهوة الاستغلال الاستعماري التي استبدت في تلك الفترة بدوائر الغرب الأوروبي بعد أن اكتملت لها أو كادت تكتمل أركان المجتمع الرأسمالي الذي أفاد من ثمرات الثورة الصناعية وبالذات من اكتشاف الآلة المتحركة بطاقة البخار.. وكان على أوروبا الغربية أن تنطلق من ثم بحثا عن خامات جديدة وثمينة من موارد إفريقيا التي لم تكد تمسسها يد، فضلا عن أسواق ومناطق نفوذ، وربما عمالة افريقية متاحة وغزيرة ومن أرخص ما يكون.
كان جواً مشحوناً بدراما الكشف والمغامرة بقدر ما كان موبوءًا بتراجيديا القهر والاستغلال والعنصرية والاستعمار.. وسط هذا الجو الغريب بدأت وتطورت ثم ذاعت واشتهرت حكاية هنري مورتون ستانلي الذي وصفه الكتاب الصادر مؤخراً بأنه أعظم مكتشفي أميركا.. كيف لا وقد كانت حياة هذا المكتشف سلسلة من المغامرات..
وربما الفتوحات التي حفلت بها الكتابات التاريخية والسير شبه الشعبية حتى وصلت هذه الحكايات ذروتها بالعبارة الشهيرة التي سجلتها دفاتر الأقوال السائرة والعبارات المتواترة وقد نسبوها إلى ستانلي عندما أوفدوه لكي يتقصّى أثر مكتشف كبير سبقه إلى هذا الميدان وهو الطبيب المبشر دي؟يد لفنجستون وكان قد ضاع أثره وانقطعت أخباره في مناطق منابع نهري النيل والكونغو عن افريقيا..
وتقول الحكاية ان ستانلي انطلق مسافراً ومغامراً يتسقط الأخبار ويجمع ما يتيسر من المعلومات عن المكتشف الاسكتلندي المفقود.. ومضت فترات طويلة إلى أن أرشدوه إلى منطقة شبه معزولة ومجهولة في الغرب الافريقي ظل يفتش في أركانها وغاباتها إلى أن عثر على رجل أوروبي أشعث أغبر تهاوى من الإعياء وسط القبائل الافريقية شبه البربرية.. وما أن وقف ستانلي أمامه حتى نطق بالجملة التي سارت بها الركبان في العصر الحديث يقول في برود غريب: دكتور لفنجسنون كما أتصور.
وهكذا تكلم ستانلي.. أو بالأدق هكذا روى ستانلي عن هذا الفصل الذي حدث عام 1871 من مغامراته في دنيا الكشف الجغرافي والارتياد الافريقي خاصة وأن ستانلي أيضا مشهود له بأنه وضع أول خارطة علمية ومفصلة لحوض نهر الكونغو وكان يأمل بذلك أن يذكره الناس وأن يدفن في بانثيون عظماء الإنجليز، لكن المشكلة أن الناس موهوبون بملكة اسمها التفكير ومعاودة التفكير..
والأهم من ذلك أيضا موهبة التعامل بالمنهج النقدي مع جوانب الحياة.. وهو المنهج الذي يطل على الظاهرات والمرويات من منطلق التعمق والتقييم والترشيد والتمحيص. وفق هذا المنهج الانتقادي تتم عمليات شتى من المراجعة والتنقيح التاريخي بعيداً عن منطق الرضوخ أو التسليم خاصة إذا ما كان هذا المنطق يتعامل مع البشر سلوكا وكسبا وفكرا واجتهادا.
وفق هذا المنطق بدأت عجلة الغربلة والتنقيح تعيد النظر في سيرة ستانلي شخصيا وعاود المختصون توجيه اللوم إلى الكتاب الصادر حديثا ليتوّج هنري ستانلي بأكاليل الغار فكان أن أكد النقاد أن الرجل هذا لم يكن أعظم الرواد المكتشفين بقدر ما كان أخبث الكذابين المزيفين.. وان أسلوبه الذي اتبعه في قلب الحقائق والافتراء على الواقع لم يبدأ في إفريقيا بل بدأ مع الرجل منذ نشأته الأولى في منطقة ويلز الإنجليزية
حيث كان مولده طفلا غير شرعي باسم ون رولاندز وكانت أول الأكاذيب أن استعاض عنه باسم هنري مورتون ستانلي.. وأتبْع ذلك بأكذوبة أخرى أنكرت مولده في انجلترا أصلا لتدعي أنه مولود في أميركا التي شارك فيها في خوض الحرب الأهلية حيث حارب في صفوف الانقلابيين وبعدها خانهم وهرب إلى صفوف الاتحاديين وظل يروي عن نفسه بطولات ما أنزل الله بها من سلطان.
وربما كانت هذه المهارة في اختلاق القصص واصطناع الحكايات المثيرة هي التي دفعت جريدة الإثارة «نيويورك هيرالد» إلى إيفاده إلى إفريقيا «لكي يوافيها بكل طريف وكل غريب عن حياة تلك الشعوب.. المتوحشة».. وكان يمكن أن تنتهي حكايته عند هذا الحد.. مغامراً وكذاباً وخبيراً في فنون الفبركة الصحافية كما قد نقول..
لولا أن عرض نفسه لخدمة ليوبولد الثاني ملك بليكا (1835 - 9091) الذي زينت له مطامعه أن يلحق بركب حركة الاستعمار التي سبقت اليها كل من بريطانيا وفرنسا.. وسبقتهما منذ بواكير العصر الحديث كل من أسبانيا والبرتغال.. ويسجل التاريخ الحديث أيضا لكل من تلك القوى الأوروبية تأسيس إمبراطوريات إمبريالية قامت على امتصاص دم الشعوب..
وهكذا بادر ليوبولد إلى الاستعانة بأمثال هنري ستانلي وتمويل حملاته الجغرافية - الاستعمارية لكي تبسط مملكة بليكا سيطرتها ونفوذها على منطقة الكونغو - أغنى أصقاع الغرب الافريقي وأحفلها بالموارد الطبيعية، وبين أدغال الكونغو مارست بليكا أسوأ أنواع الاستعمار والاستغلال وأكثرها وحشية ودموية وأشدها إمعانا في قهر الشعوب الافريقية لدرجة أن فرضوا على شعوب الكونغو حصارا ثقافيا ولغويا مما حال بينها وبين الأخذ بأي سبب من أسباب التحديث.
ولا عجب أن يظل العالم - الآن - حتى بعد استقلال الكونغو (البليكي سابقا) في عقد الستينات لا يكاد يسمع خيرا ولا تقدما ولا إنجازا يذكر في ذلك البلد الافريقي.. بقدر ما أن العالم مازال يتسامع عن الصراعات الأهلية والقبلية والشعوبية التي ما برحت تعصف بأمنه وتقطع عليه طريق التقدم أو التنمية،
بل أن سجّل حركة الاستقلال الافريقية مازال يحفل بالصفحات المضمّخة بدم أحد زعماء هذه الحركة الوطنية وهو القائد الكونغولي باتريس لومومبا الذي دبر الاستعمار البليكي وأعوانه مؤامرة لاغتياله في عام 1961 بما يكفل وأد أفكاره التحررية وخاصة بعد تأكد احتواء الكونغو (ومنطقة كاتنجا - شابا بالذات) على مواد اليورانيوم والكوبالت بكل خطورتها في مجال الطاقة النووية (يعيش أبناء باتريس لومومبا في القاهرة منذ أن استضافهم الزعيم عبدالناصر بعد مأساة اغتيال والدهم الزعيم الشاب وقتها).
لم يكن الملك ليوبولد يعرف في زمانه قيمة معدن اليورانيوم.. لكنه كان طامعا - حسب تقاليد زمانه في ثروة الكونغو من المطاط والعاج الثمين. وهكذا استخدم هنري مورتون ستانلي ليكون عميلا له في تلك المنطقة.. أو بالأدق ليكون «مخلب قط» على نحو ما تؤكده مجلة الايكونومست البريطانية (عدد 17 مارس 2007).
وعندما تآمر الطرفان - القط البلجيكي والمخلب الانجليزي - أفضت المؤامرة - كما تضيف الايكونومست أيضا إلى أن عملاء ستانلي وأعوانه انطلقوا لجلب المغانم لملك بليكا وتحويل الثروات الطبيعية الثمينة من إفريقيا إلى أسواق بروكسل وأوروبا.. وأدى ذلك إلى أن سقط الملايين - نعم الملايين كما تؤكد المجلة الإنجليزية من أبناء غرب إفريقيا ما بين قتلى أو مصابين بعاهات كابدوا آلامها مدى الحياة.
بيد أن الصورة تزداد قتامة بفعل النفاق الذي استخدمه مستعمرو تلك الفترة السوداء من حياة البشرية حين ادّعوا من باب الرياء والتبرير أنهم إنما ذهبوا إلى إفريقيا من أجل التبشير بالدين وهداية أهلها البسطاء الوثنيين إلى طريق الرب.. ثم زاد الملك ليوبولد بقدر ما أضاف هنري ستانلي أنهما كانا يهدفان إلى القضاء على نظام العبودية في القارة السوداء.. يحاربان الاسترقاق قربى إلى الرب واحتسابا،
لكن هذا كله لم يكد ينطلي على الذين يعرفون جوهر القضايا، وهكذا بعث الملك ليوبولد برسالة إلى زعيم معاصر له هو بسمارك مستشار ألمانيا ورجل الوحدة الألمانية في زمانه يحدثه فيها عن جهوده في مكافحة العبودية من باب التقوى والورع. وهكذا أيضا ظل هنري مورتون ستانلي يروج لنفسه في محاضرات وكتب ومقالات على أنه الرجل الذي خدم إفريقيا باكتشاف مجاهلها وتحرير شعوبها.
لكن التاريخ لا يرحم.. والبحث العلمي لا يلبث يكشف عن الحقيقة ويضيئها ويصححها فأما بسمارك فقد سجل على رسالة الملك ليوبولد تأشيرة من كلمة واحدة هي ترادف معنى التدليس والاحتيال، وأما ستانلي فقد وصفه مؤخرا ناقد الايكونومست بأنه كان محترفا للكذب وربما كان أكبر كذاب في التاريخ.
كاتب مصري