لقد ظل المسؤولون الأميركيون يهددون النظام السوداني من حين لآخر بأنه إذا أصرّ على مواصلة رفضه استقبال قوات دولية في دارفور فإن الإدارة الأميركية ستعمد إلى ما أطلقوا عليه «الخطة ب». كان تهديداً يوحي وكأن مضمون «الخطة ب» هو توجيه ضربة عسكرية أميركية إلى السودان، ولكن بعد أن كشف المستور أخيراً، اتضح أن المضمون ليس أكثر من اقتراح بفرض المزيد من العقوبات على النظام السوداني عبر مجلس الأمن الدولي.
وبينما في هذه الأثناء عمدت واشنطن إلى تعيين مبعوث رئاسي خاص متفرغ للمسألة الدارفورية وشجعت جماعات ضغط أميركية تمولها المنظمات اليهودية لتصعيد «التضامن» مع أهل دارفور وأوعزت إلى مدعي المحكمة الجنائية الدولية بتدشين الإجراءات لمحاكمة مسؤولين سودانيين تحت طائلة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور،
فإنه يبدو الآن أن سلاح العقوبات الاقتصادية الدولية هو سقف الحملة الدبلوماسية الأميركية ضد السودان.. بمعنى أنه أصبح من الواضح أن إدارة بوش قد استبعدت خيار العمل العسكري، سواء بصورة أحادية أو على نحو جماعي دولي عن طريق مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
لماذا؟
أولاً.. لأن الولايات المتحدة كقوة عظمى دولية باتت مؤخراً تعيش حالة وهن مع ازدياد ورطتها في المستنقع العراقي الدامي وفشلها المتعاظم في أفغانستان وتنامي التحدي الإيراني وتصاعد التذمر في الداخل الأميركي مع بروز انقسام حاد في صفوف الطبقة الحاكمة.
ثانياً: إن إدارة بوش أدركت أن المضي في تصعيد عدائها للسودان قد يقودها عند نهاية المطاف إلى صدام حتمي مع الصين ـ القوة العظمى الصاعدة بقوة وعنفوان في الساحة الدولية والتي أصبحت تربطها مع السودان شراكة استراتيجية متنامية. لقد جاهدت الإدارة الأميركية لإقناع الصين بممارسة ضغط على الحكومة السودانية لحملها على الموافقة على إرسال قوات دولية إلى دارفور. لكن بكين لم تشأ أن تتجاوب.
بل ذهبت الحكومة الصينية أبعد من ذلك فبعثت بوفد رسمي إلى السودان هذا الأسبوع لزيارة دارفور. وبعد أن تفقد الوفد الأوضاع هناك أعلن رئيس الوفد «زاي جون» أن الانطباع الذي خرج به من هذه الزيارة هو «أن الأوضاع في دارفور مستقرة وأن ما بذلته الحكومة السودانية من جهود لمصلحة المتأثرين قد أتت ثمارها».
وما يمكن أن يستخلص من الزيارة الصينية وحصيلتها هو أن الحكومة الصينية تضاعف من استعدادها لمعركة دبلوماسية قادمة في نيويورك يقوم خلالها المبعوث الصيني في مجلس الأمن الدولي بدحض تقارير مبعوثي الأمم المتحدة الذين يعملون لحساب الولايات المتحدة.
أجل.. لقد قال رئيس الوفد الصيني إنه يأمل في أن تبدي الحكومة السودانية «مزيداً من المرونة» تجاه دعم القوة العسكرية الإفريقية في دارفور بقوة من الأمم المتحدة. لكن هذا التصريح ينبغي أن يقرأ في ضوء الموقف الصيني الأساسي بأن تشكيل القوة الدولية وطبيعة تفويضها وقيادتها يجب أن تخضع في النهاية لموافقة الحكومة السودانية. ولننتظر لنرى كيف تسير الأمور في جلسات مجلس الأمن الدولي الأسبوع المقبل حيث يبدو أن المسألة تتجه صوب صيغة وسطية.