المشهد الدموي المتنقل في المنطقة، مريع. عنف النحر والانتحار صار حصاده من الضحايا، مسألة يومية؛ وبالجملة. في بعض الساحات باتت الأرقام، شيئاً روتينياً. وكأن الإنسان تحوّل إلى رقم. وهو يقفز من المشرق إلى القرن الإفريقي إلى المغرب، مروراً بالاشتباكات العسكرية على الحدود التشادية ـ السودانية. طاحونته لا تتوقف يختار الساحة، يفجرّ ويحصد المزيد من الأبرياء. نزيف يهدد بتداعيات بركانية، إقليمية وربما أبعد.

أول أمس كان دور الجزائر. سيارات مفخخة ثلاث فجّرها انتحاريون، أمام مراكز للحكومة والشرطة. الحصيلة مفجعة. أكثر من 24 قتيلاً و222 جريحاً. كالعادة، العمليات كانت انتحارية أعلن تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، مسؤوليته عنها.

الهجوم المتزامن الذي أطلق عليه اسم «غزوة بدر المغرب الإسلامي»، جاء بعد يوم واحد من نجاح قوات الأمن المغربية في إحباط عمليات تفجير كان مخططاً لتنفيذها في الدار البيضاء. الانتحاريون لقوا مصرعهم. وكان أيضاً قد سبق ذلك بعدة أسابيع، عملية تفجير انتحاري في أحد مقاهي الانترنت في الدار البيضاء. إذاً الرسالة لا تخطيء: العنف الدموي العشوائي تمدّد باتجاه المغرب العربي.

الدول الأخرى في المنطقة، سارعت إلى اتخاذ احتياطات وتدابير احترازية، لصدّ الموجة، إذا وصلتها. والرسالة الأخرى هي أن الإرهاب ذراعه طويلة وقدراته متوفرة وهو يختار ويقرر المكان والزمان. من نزيف العراق الذي يتدفق على مدار الساعة إلى دخول الصومال على خط الاقتتال من جديد، إلى التحاق المنطقة الحدودية التشادية ـ السودانية بالقافلة، ناهيك بالحاصل في دارفور؛ دورة عنف مختلط، حصيلته الأمنية واحدة،

لكن لا شك أن العنف الإرهابي منه والذي عاد إلى المغرب، فيما يتواصل مسلسله التفجيري اليومي في العراق؛ يبقى الأكثر خطورة؛ لأسباب عديدة تتراوح بين طبيعته المحلية القابلة للتمويه، وبين دمويته التي لا يقف في طريقها رادع أو وازع؛ من نوع ان المستهدفين أبرياء لا ذنب لهم؛ فضلاً عن أنهم من أبناء البلد.

الأمر الذي يهدد الأمن الداخلي في الصميم. القتل العشوائي بهذه الصورة لا يقل عن محاولة اغتيال لأمن المجتمع ويزعزع ركائز المؤسسات التي تشكل صمامات أمان، ليس لسلامة الأوضاع المحلية فحسب، بل أيضاً لسلامة الأمن الوطني والقومي. وما حصل في الساحات الأخرى النازفة، خير دليل. وفي كل حالة من هذه الحالات كان الرابح والمستفيد هو الطرف نفسه الذي تزعم الجماعات الإرهابية أنها تناصبه العداء.

الإرهاب المحلي الصنع تقدم في هجومه خطوة أخرى في نهش لحم المنطقة، وهو لا شك يعمل ويتحفز لتسجيل ضربات أخرى على مدى الساحات التي يستهدفها. الأمن الوطني واستطراداً القومي العربي دخل دائرة التهديد والعمل على تقويضه. العمليات الأخيرة في الجزائر والمغرب إنذار آخر بأن العنف .. الإرهابي عازم على مواصلة تصعيده. التصعيد في مواجهته لإحباطه بات الخيار الوحيد والمستعجل، فالمنطقة لا تقوى على احتمال استباحتين: خارجية ومحلية.