المعروف على النطاق العالمي ووفقا لكل المعاني المطروحة لكلمة »ميليشيا« فانها مجموعة او مجموعات من المسلحين تربطهم ايديولوجية مشتركة قد تكون ثورية يسارية او ثورية مضادة يمينية وربما تتبع حزبا سياسيا يسعى الى التحرر الوطني او قلب نظام حكم لا يروق لهم.
اما ان تكون هناك ميليشيات عائلية تشكلها حامولة او عائلة كبيرة او عشيرة ممتدة فهذا هو اختراع فلسطيني بامتياز لم يسبقنا اليه احد لا في الشرق الاوسط ولا في الغرب ولا في ارجاء العالم الثالث الذي ننتمي اليه بمقياس انخفاض مستوى المعيشة او عدم التقدم التكنولوجي.
ومن المؤكد ان ظهور الميليشيات العائلية هو نتيجة لعدد من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والامنية المتراكمة منذ الاحتلال الاسرائيلي وحتى يومنا هذا .
ويعود السبب الرئيس لقيام هذه الميليشيات الى غياب السلطة المركزية القوية القادرة على فرض القانون وهيبة الحكم على المواطنين جميعا وعلى قدم المساواة دون محاباة او تمييز ولعل مرور ما يقارب اربعة عقود على الاراضي الفلسطينية تحت نير الحكم الاحتلالي الذي كان يركز فقط على المسائل الامنية من وجهة النظر الاسرائيلية وليس على الجرائم والجنايات الاخرى من قتل وسرقة واعتداء على الارواح والممتلكات ربما ادى بشكل مباشر او غير مباشر الى تشجيع العناصر المنحرفة ذات النفوس والضمائر الميتة على التطاول اكثر فاكثر على غيرهم من المواطنين الذين لم يجدوا من سبيل لمواجهة المخاطر التي يتعرضون اليها سوى التزود بالسلاح وتشكيل حراسات لاحيائهم وعائلاتهم في ظل تهاون الاحتلال بمواجهة موجات الاجرام المتلاحقة.
وبعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية كان من الصعب التخلص من هذه الظاهرة لا سيما بعد ان اضيف الى العامل العائلي والعشائري الذي يجمع عناصر الميليشيات البعد الفصائلي او الحزبي وتحولت ظاهرة الميليشيات الى كابوس مرعب في بعض المدن الفلسطينية لان اي محاولة لاحتواء هذه الظاهرة او تذويبها في اطار قوى الامن الفلسطينية كانت تواجه مقاومة ومعارضة من هذا الفصيل او ذاك.
وهكذا قويت الميليشيات بدلا من ان تضعف واخذ بعضها يمارس نشاطات تسيء الى الشعب الفلسطيني وتدخل في مواجهات داخلية مؤسفة احيانا ما كانت تتسبب في انتهاكات لسلسلة اتفاقيات وقف اطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية وما تزال بعض هذه الانتهاكات مستمرة وان كان من يقف وراءها غير معروف او محدد على وجه الدقة.
ان وجود الميليشيات غير الخاضعة لامرة السلطة المركزية والتي تتلقى تعليماتها من جهات غير رسمية ومهما كان طابع هذه الميليشيات يعتبر بكل المقاييس مظهرا مأساويا للتخلف والتسيب الامني وفقدان رابطة الانتماء الى الوطن الواحد والشعب الواحد وليس هناك فلسطيني واحد يجب ان يقرن اسم فلسطين باسم الصومال على سبيل المثال من حيث الفوضى وانتشار السلاح عشوائيا ودون اي ضابط او قانون وطني يحكم استخدامه او تخزينه او التدريب على استعماله.
وبعيدا عن التعميم او المبالغة في التوصيف فان مطلب حل الميليشيات على اختلاف اسمائها ودواعي تشكيلها ودمجها في جهاز الامن الفلسطيني الواحد والمركزي ليكون انتماء عناصرها الى فلسطين الوطن والشعب وليس الى العائلة او العشيرة او الفصيل - هو السبيل الافضل للاعداد والتمهيد لقيام الدولة الفلسطينية الموعودة القادرة على حماية ارواح واعراض وممتلكات المواطنين واقناعهم بانه لا حاجة لقيام هكذا ميليشيات في ظل سيادة القانون واستقلال القضاء ونزاهته وهيبة الحكم المستند الى العدالة والمساواة والتعددية واحترام الاراء والمذاهب والاجتهادات.