مرت أربع سنوات على الاحتلال الأميركي ولا يزال العراق الدولة والوطن والشعب يعاني من ظاهرة العنف والقتل والنهب والسلب واللااستقرار، الأمر الذي يشير بكل وضوح إلى فشل كل من الإدارة الأميركية أولاً، والحكومة العراقية ثانياً، في تحقيق الوعود الكبيرة ببناء عراق آمن ومزدهر وديمقراطي من جهة وبعراق موحد ومتوحد بكل أطيافه السياسية وطوائفه ومذاهبه المختلفة من جهة أخرى.
ولم يعد ممكناً لأحد داخل العراق أو خارجه أن يعتقد بقدرة واشنطن أو الحكومة العراقية الحالية على تغيير الأوضاع الصعبة والمخيفة والمهددة ليس لمستقبل العراق وحده بل لكل دول الجوار العربية إضافة إلى تركيا وإيران.
وأصبح مطلوباً من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بشكل عام التدخل فوراً لوقف النزيف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني في بلد الخلافة العباسية طالما أن تدخل العالم العربي والإسلامي ليس مطروحاً في الأجندات السياسية الإقليمية والدولية لأسباب معروفة ومفهومة.
فالأمم المتحدة ومجلس أمنها الموقر الذي لديه الوقت الكافي للتدخل في القضاء اللبناني الداخلي من أجل تشكيل محكمة دولية تحقق في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أو التدخل في دارفور السودان من أجل وقف بعض المذابح
بسبب الاقتتال المحلي بين العشائر السودانية واتهام الحكومة السودانية بارتكاب بعض المجازر، وغيرها يجب أن يكون لديه وقت كاف للتدخل في بلد تم تدميره كاملاً من قبل محتل أجنبي ادعى كذباً وبهتاناً أنه يمتلك أسلحة دمار شامل وبعلاقاته المشبوهة بتنظيمات إرهابية.
إن التدخل الدولي في العراق أصبح ضرورة حتى باعتراف السفير الأميركي في العراق المنتهية ولايته زلماي خليل زاده الذي قال في نهاية الشهر المنصرم إن الوضع في العراق قد أدى إلى نشوء انقسام طائفي يشمل منطقة الشرق الأوسط برمتها، وحذر من أن هذا الانقسام قد يقوض استقرار المنطقة.
وأضاف أن في مصلحة جميع الأطراف - بما فيها القوى الدولية - العمل لوقف الانحدار نحو الاستقطاب الطائفي. ولا يخفى على أحد أن فترة السنتين التي قضاها خليل زاده سفيراً للولايات المتحدة في العراق قد شهدت زيادة كبيرة في مستوى العنف بين السنة والشيعة في العراق.
فبعد أربعة أعوام من الاحتلال الأميركي تقول مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إن عدد طلبات اللجوء التي تقدم بها عراقيون إلى الدول الصناعية قد ارتفع بنسبة 80 في المئة مقارنة بالسنة الماضية، وإن عدد الطلبات التي تقدم بها عراقيون لنيل حق اللجوء بلغ 22200 في عام 2006 مقارنة بـ 12500 في عام 2005.
إضافة إلى أن عدد العراقيين الفارين من وطنهم منذ بدء الاحتلال عام 2003 والموجودين في سوريا والأردن بلغ 1750000، إضافة إلى 13000 لاجئاً عراقياً يعيشون في مصر. من ناحية أخرى نجد أن التشاؤم بين العراقيين حيال الأوضاع في بلدهم يتنامى.
فقد أشار استطلاع جديد أجري في العراق، من قبل الـ بي بي سي، وإيه بي سي نيوز، وتلفزيون إي آر دي الألماني، وجريدة يو إس توداي الأميركية، فيما قامت بتنفيذه شركة دي-3 سيستمز، إلى أن العراقيين باتوا أكثر تشاؤما حيال المستقبل وأنهم غير سعداء بظروفهم الحياتية، حيث ذكر أقل من 40% ممن شملهم الاستطلاع إن ظروف حياتهم جيدة، مقارنة ب71% قبل عامين.
ويرسم الاستطلاع صورة لعراق يزداد استقطاباً، حيث تتسع هوية الاختلاف في الآراء بين العرب السنة والشيعة، إذ يشعر السنة بتشاؤم أكثر. كما ثمة اختلافات مناطقية، إذ يصل الشعور بالتشاؤم إلى أشده في وسط العراق، وفي بغداد، حيث مناطق التركز السني.
وأظهر الاستطلاع آراء متضاربة حول دور القوات الأميركية والقوات المتحالفة معها. فقد قال 18% فقط إنهم يثقون بالولايات المتحدة وقوات التحالف، فيما قال 51% إنهم يعتقدون أن الهجمات على قوات التحالف مبررة. غير أن 35% فقط قالوا إنه يجب على القوات الأجنبية مغادرة البلاد الآن. وقالت نسبة 63% أخرى إنه لا ينبغي على القوات الأجنبية مغادرة البلاد إلا بعد تحسن الوضع الأمني.
وحول جهود إعادة الإعمار في العراق أتت نتائج الاستطلاع مؤثرة، حيث قال 67% إنهم لا يشعرون بذلك، بينما قالت نسبة 38% فقط إن الوضع في البلاد أحسن مما كان قبل الحرب عام 2003، فيما قال 50% إن الوضع أسوأ.
وقال الكثيرون إن ظروفهم الحياتية قد تدهورت، وقالت نسبة مرتفعة للغاية (88%) إن إمدادات الكهرباء والوقود سيئة، وإن المخاوف الأمنية مازالت تشكل تهديدا خطيراً، إذ قال 26% فقط من العراقيين إنهم يشعرون بالأمان داخل أحيائهم.
مما لا شك فيه أن معظم الأميركيين باتوا يدركون صعوبة الأوضاع في العراق واستحالة أن يطرأ عليه تغيير دراماتيكي وهذا بدأ جلياً منذ الانتخابات التشريعية الأميركية الأخيرة في نوفمبر الماضي التي فاز بها الديمقراطيون والتحركات السياسية التي يقوم بها الديمقراطيون وبعض الجمهوريين في مجلس الكونغرس الأميركي.
هذا الإدراك الأميركي والذي هو نتيجة القلق والخوف المتزايد لدى الشعب الأميركي الذي صوت لصالح الديمقراطيين ترجم قبل أيام قليلة عندما صوت مجلس النواب الأميركي لصالح قرار يمنح الرئيس جورج بوش مهلة لسحب القوات الأميركية من العراق ويحدد نهاية أغسطس 2008 أجلاً لتمويل العمليات العسكرية في العراق.
وعقب التصويت لصالح هذا القرار، قالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي إنها «لحظة تاريخية لحزبنا ولبلدنا كله». نعم إنها بالتأكيد لحظة تاريخية للشعب الأميركي الذي ضلل من قبل الإدارة الأميركية وتورط في حرب شعواء وغير شرعية في بلد لم يكن يهدد الولايات المتحدة أو الشعب الأميركي أو المصالح الأميركية في منطقة الشرق الأوسط لاسيما بعد أن تم تقويض النظام الديكتاتوري السابق ومحاصرته بعد حرب تحرير الكويت.
إن الثمن الباهظ الذي يدفعه الشعب الأميركي سواء على المستوى المادي أو البشري أو المعنوي بالرغم من عظمه لا يمكن مقارنته بالثمن الذي دفعه وسيدفعه الشعب العراقي الجريح الذي يأمل أن تضمد جراحه بأسرع وقت ممكن وقبل فوات الأوان.
فالعراق المسالة دمائه يحتاج إلى تدخل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لتكون بديلة عن الاحتلال الأميركي الذي فشل في كل الأصعدة ولم يبق أمامه إلا بعض السيناريوهات المرعبة التي يعتقد أنها قد تساعده على الخروج من هذا المستنقع المخيف.
وقد يصبح قريباً سيناريو التقسيم الجغرافي والطائفي هو الأفضل والأنجع كما تراه إدارة اليمين الأميركي وحلفاؤها من العراقيين، وهنا لا بد من الانتباه إلى ما يقال في كردستان العراق وفي أنقرة لنفهم جدياً خطورة الفترة المتبقية من حكم الرئيس بوش.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com