يأخذ الوضع اللبناني انعطافة حادة نحو الانسداد. بالأحرى نحو الانفتاح على احتمالات وسيناريوهات، غير مسبوقة بأخطارها. ساد مثل هذا الانطباع بعد تواتر الحديث، في الأيام، الأخيرة عن «انقطاع» الحوار بين أطراف الأزمة اللبنانية. الأمر الذي خلق حالة من «حبس الأنفاس».

فالتواصل كان بمثابة أنبوب الاوكسجين الذي تكفل بحماية الساحة من الاختناق؛ طوال سنتين. صحيح أنها أزمة عاتية، بتعقيداتها الداخلية وامتداداتها الإقليمية والدولية لكنها بقيت غير عصية على الضبط والتحكم، عن طريق التحاور وإبقاء القنوات مفتوحة. الجميع احتضن شعار «محكومون بالتوافق».

ولكن في الآونة الأخيرة، بدأ هذا الشعار يخبو، وأخذ نقيضه يطفو على السطح. لاشك في أن تجربة «الحوار» وبعدها «التشاور» وما تلا ذلك من وساطات؛ كانت محبطة. المخارج ظلت بعيدة المنال. وكان أن أدى ذلك إلى المزيد من التعقيدات والتراكمات السلبية. لكن الذي لاشك فيه أيضا، هو ان البديل عن خيار الحوار ليس أقل من المجهول.

وفي ظروف البلد والمنطقة الحالية، هو مجهول مخيف. فالوضع شديد الهشاشة. وهو قادم على استحقاقات، دولية وأيضا محلية انتخابية؛ كبيرة. مواجهتها، في ظل قطيعة داخلية؛ بدأت ترتسم معالمها، يعني المزيد من توسيع الفجوة بين اللبنانيين. وبالتالي زيادة في التعقيد. كما في صعوبة التراجع لم يسبق مرة ان تردد الحديث عن احتمال دخول لبنان في حالة «فراغ».

هذا في أحسن الحالات. حتى في زمن الحرب الأهلية البغيضة، لم يصل الأمر إلى الكلام عن «لبنانين» و«حكومتين».. وما هو أكثر من ذلك وأخطر. عندما كان بعض هذه المفردات يظهر في التداول، آنذاك، كانت الإشارة إليه لا تستوقف كثيرا.

إمكانية تفسيخ البلد كانت اقرب إلى الوهم. المفارقة المؤلمة، ان مثل هذا اللغة باتت اليوم تلقى رواجا لها. قد يكون ذلك من باب التخويف والتهويل او الرغبة في امتلاك أوراق إضافية. لكن المناخات السائدة اليوم في المنطقة تشكل أرضية ملائمة لها.

وزيادة الطين بلة ان لبنان قادم قريبا على انتخابات رئاسية. كما بدأت تلوح في الأفق القريب إمكانية دخول مجلس الأمن على خط تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي، التي تثير خلافا عميقا بين الموالاة والمعارضة. كل ذلك يتطلب التوافق المسبق حوله والذي لا يمكن بلوغه من دون حوار.

المشكلة - المعضلة في لبنان ان التوافق غير متوفر على الثوابت. كل فريق يريد لبناناً مفصلاً على قياساته. الضحية كان ما اتفق اللبنانيون على تسميته بـ «العيش المشترك». أو أنه مهدد بان يكون الضحية. في حين انه الشرط الضروري الذي لا يستقيم إخراج البلد من أزمته بدونه.

ومن هنا أهمية عدم توفير إي جهد أو إمكانية من أجل إحياء التواصل بين المعنيين اللبنانيين وإعادتهم إلى الطاولة وربما حان وقت استئناف دور عربي ما، قبل أن تدخل أزمة القطيعة في عنق الزجاجة. فالمسألة مصيرية ولا غنى عن خيار الحوار بين اللبنانيين لعبور هذا الامتحان بسلامة.