دبي حالة فريدة في المحيط العربي الراكد، فهي سباقة للأخذ بكل أسباب التقدم الاقتصادي وبمختلف سبل تنويع مصادر دخلها، وعدم الركون إلى سلعة واحدة كما هو الحاصل في الحالة العربية. فبعد مشروع الحكومة الإلكترونية جاء دور التحول للاعتماد على الطاقة الشمسية كبديل لما هو قائم الآن وهو استخدام النفط كمصدر للطاقة.
وسوابق دبي تؤكد أن ما تصرح به إنما هو ليس للاستهلاك والدعاية، بل للتنفيذ والتطبيق. ولذا، فمن المتوقع أن نرى تجربة جديدة تتجسد على أرض الواقع يتم فيها تحويل أشعة الشمس الحارقة (وما أكثرها في بلادنا العربية) إلى طاقة تلبي متطلبات مدينة عصرية ما انفكت تتوسع منذ أكثر من ثلاثين عاماً،
والطاقة الشمسية تندرج تحت ما يسمي بالطاقة المتجددة التي تشمل أيضاً طاقة الرياح وحرارة الأرض والتيارات البحرية ومساقط المياه. وهذه المجموعة تقابل الطاقة من المصادر الأحفورية وعلى رأسها النفط والغاز الطبيعي والفحم الحجري.
وثمة ثلاثة أسباب رئيسية لرغبة دول العالم وسعيها في التحول من مصادر الطاقة التقليدية إلى مصادر الطاقة المتجددة. أولها أن الإنسانية لا خيار لديها سوى التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة لأن مصادر الطاقة التقليدية ستنفد يوماً من الأيام.
فالنفط لن يعمر معنا أكثر من نصف قرن آخر، حسب الاحتياطيات المؤكدة وبناءً على كمية الاستهلاك العالمية. والشيء ذاته ينطبق على الغاز الطبيعي، أما الفحم الحجري، فهو ملوث للبيئة لدرجة كبيرة، في حين أن الطاقة النووية لها أخطار على صحة الإنسان وبيئته على حد سواء.
ثانيها، أن الطاقة التقليدية طاقة ملوثة للبيئة ويعود إليها ظاهرة الاحتباس الحراري، في حين أن الطاقة المتجددة طاقة نظيفة. فطبقاً لمجلة التقدم العلمي عدد 54 «سبتمبر »2006 (وهي مجلة علمية تصدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي
وسنعتمد عليها في معلومات هذه المقالة) فإن كل ألف كيلووات من الطاقة البديلة ينقذ البيئة من 700 طن من ثاني أكسيد الكربون، و50 طنا من ثاني أكسيد الكبريت، و40 طنا من أكاسيد النتروجين. ثالثها، أن كثيراً من دول العالم تصرف مبالغ هائلة من دخلها القومي على استيراد النفط، وبالتالي فهي تطمح إلى تطوير طاقة بديلة توفيراً لتلك المبالغ. ولعل على رأس القائمة الصين والهند، وهما من أكثر الدول نمواً حالياً.
والعجيب أن الإنسان قد اكتشف الطاقة المتجددة منذ آلاف السنين، بيد أنه لم يطورها لتواكب تقدمه التقني، بل ركن إلى مصادر الطاقة الأحفورية بالذات النفط والغاز، التي بدأ استخدامهما بشكل واسع قبل قرن تقريباً. فالإنسان قد ركب البحر مستخدماً قوة الرياح في دفع سفائنه،
واستخدم أيضاً تياراته في التنقل وعلى وجه الخصوص تيارات الأنهار من منابعها إلى مصباتها. وقد قضى اختراع جهاز الاحتراق الداخلي على تلك الاستخدامات، إذ تحولت السفن إلى الفحم الحجري ثم ما لبثت أن استبدلته بالوقود المستخرج من النفط بعد اكتشافه.
والعالم المتقدم يشهد سعياً حثيثاً منذ مدة للعودة إلى الطبيعة واستخدام طاقاتها المتجددة. فخمس وخمسون دولة تستخدم في الوقت الحاضر قوة الرياح، وعلى رأسها ألمانيا والدنمارك والسويد. وتذكرنا طواحين الهواء التي نراها على الدعايات بهذه الطاقة، وهي اختراع أميركي يعود تاريخه إلى منتصف القرن السابع عشر. وظهرت أول تطبيقاته في توليد الكهرباء في الدنمارك في العام 1910.
وفي فترة قصيرة، تطورت القدرات الإنتاجية لمولدات الطاقة التي تتحرك بقوة الرياح، ففي العام 1978 كانت نحو 50 ك/و (اختصار كيلووات)، وفي عام 2001 قفزة إلى 1300 ك/و، وتبلغ في هذه الأيام نحو أربعة ك/و. وهو تطور واعد كما نرى.
وحرارة الأرض هي مصدر آخر للطاقة تستخدمه عشرون دولة حالياً بها براكين أو ينابيع مياه حارة لتنتج ما قدره 5700 ميغاواط من الطاقة الكهربائية أو ما يعادل إنتاج ست محطات تعمل بالطاقة النووية. وقد بدأ باستخدام الطاقة المتولدة من حرارة الأرض قبل قرن تقريباً في إيطاليا،
وتوجد في اليابان حالياً 17 محطة لتوليد الكهرباء تعتمد على حرارة الأرض، وفي العاصمة الأيسلندية كما في مناطق أخرى كثيرة منها، يتم تدفئة الكثير من البيوت بواسطة المياه الحارة النابعة من الأرض. وتعتبر الولايات المتحدة الأميركية أكثر الدول استفادة من طاقة حرارة الأرض، إذ إن محطاتها الأربع عشرة الموجودة في كاليفورنيا تنتج نصف إجمالي الإنتاج العالمي.
أما الطاقة الشمسية، أكثر أنواع الطاقة المتجددة جاذبية وتوفراً فهي طاقة ارتبط اسمها بالتطور العلمي العاصف، تحديداً بارتياد الفضاء وبتغذية مركباتها بالطاقة، وقد دشن المسبار الأميركي فانغارد الأول عام 1958 ذلك الفتح. وما زال استخدام الطاقة الشمسية محدوداً لكلفتها العالية ولعدم التمكن من تجاوز بعض الصعوبات التقنية،
رغم توفر مثل هذه الطاقة ـ كما ذكرناـ ذلك أن الطاقة الواصلة منها إلى سطح الأرض كل دقيقة تزيد على ما تستهلكه البشرية المعاصرة من طاقة في عام كامل!! وتعتبر اليابان رائدة في إنتاج الخلايا الشمسية، تليها أوروبا فالولايات المتحدة.
ومازالت إنتاجية هذه الخلايا متدنية، إذ يلزمنا متر مربع منها لإنتاج مصباح عادي بقدرة مئة وات!! وأكثر استخدامات الطاقة الشمسية حالياً هي في المناطق النائية التي ترتفع فيها تكاليف ربطها بالشبكات المركزية للطاقة.
وعلى العموم، فما زالت الطريق طويلة أمام الإنسان لكي يستبدل الطاقة الأحفورية بالطاقة المتجددة، فإن الأنواع الكثيرة من الطاقة المتجددة التي ذكرناها فضلاً عن تلك التي لم تذكر كمساقط المياه والتيارات البحرية لا تمثل في الميزان سوى ثلاثة بالمئة من إجمالي الطاقة التي يستخدمها الإنسان سنوياً في الوقت الراهن.
وثمة معوقات كثيرة لا بد أن يتم التخلص منها قبل أن تصبح تلك المصادر الجديدة مصادر ذات جدوى اقتصادية وتفي بالاحتياجات الزائد للطاقة في المجتمع الإنساني الذي يتجه إلى التطور والتقدم. بيد أن البشرية تجد نفسها مجبرة يوماً بعد آخر بالتحول التدريجي لتلك المصادر النظيفة والدائمة.
ولعلنا في البلاد العربية سنجني ثمار ذلك التحول بالرغم من أن العديد من الدول العربية هي دول منتجة للنفط. فهذا التحول لن يكون فجائياً، ثم إن النفط المتبقي يمكن استخدامه الاستخدام الأمثل كطاقة وكمادة أولية لعشرات من الصناعات البتروكيمائية.
ويبقى أن نشيد بتوجه دبي الرائد في التحول إلى الطاقة الشمسية، ولعله يكون نموذجاً لكثير من الدول العربية التي هي بأمس الحاجة إلى الانتفاع من حرارة شمسنا الحارقة ولهيبها المستعر.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.com