بدافع سياسي تواطأ الاتحاد الإفريقي مع الولايات المتحدة في مطالبة السودان لإرغامه على قبول نشر قوات عسكرية دولية في دارفور، وبدافع سياسي أيضاً يغير الاتحاد الإفريقي الآن موقفه فيعلن دعمه لموقف الحكومة السودانية الرافض للقوات الدولية، فماذا يعني هذا التحول الفجائي؟ وما هو ذلك الدافع السياسي على أية حال؟
القاعدة العامة في الحالة الإفريقية هي أن القادة الأفارقة لا يتحركون إلا وفقاً لإشارة من واشنطن. هذا هو معنى الدافع السياسي الذي بموجبه طالب الاتحاد الإفريقي بتدخل عسكري دولي في دارفور، وبموجبه أيضاً يرفض الآن مثل هذا التدخل.
ففي الحالين يتصرف القادة الأفارقة وكأنهم موظفون لدى الإدارة الأميركية، هذا التفسير يترك بالطبع سؤالاً معلقاً هو: هل يعكس التحول الإفريقي في التعامل مع المسألة الدارفورية تحولاً سياسياً أميركياً سواء على المستوى الاستراتيجي أو «التكتيكي»؟، يبدو الأمر كذلك، وإلا كيف من الممكن أن نتصور أن دول الاتحاد الإفريقي قررت اتخاذ موقف تحدٍ ضد الولايات المتحدة؟
المؤشرات المتوفرة حتى الآن تفيد وكأن ترتيب مشكلة دارفور على قائمة الأولويات الأميركية قد هبط، فالإدارة الأميركية أخذت مؤخراً تخفف من نبرتها تجاه المشكلة تاركة حكومة توني بلير تواصل مهمة العلاقات العامة من خلال تصريحات تنطوي على تهديد للحكومة السودانية دون أن تتحول هذه التهديدات إلى فعل ملموس،
وأحدث هذه التصريحات ما ورد على لسان وزير التنمية البريطاني هيلاري بين «بضرورة معاقبة النظام السوداني لعدم تعاونه في مسألة تشكيل قوة لحفظ السلام في دارفور..». ويضيف الوزير البريطاني أن بريطانيا والولايات المتحدة «تدرسان» فكرة فرض منطقة حظر جوي فوق دارفور.
وعند هذه النقطة سارع الوزير إلى الاستدراك بأن لندن وواشنطن تدركان أن تحقيق ذلك «يشكل تحدياً لوجستياً هائلاً..». هذا التردد البريطاني الضمني يمكن فهمه بصورة أوضح إذا أخذنا في الاعتبار أن الناطقين باسم إدارة بوش توقفوا عن الإشارة إلى فكرة الحظر الجوي.
بل وتوقفت أيضاً الإشارات الأميركية إلى أي عقوبة ضد السودان، ومما يجتذب الانتباه في هذا السياق تصريحات صدرت عن جون نيغروبونتي أحد كبار مساعدي وزيرة الخارجية الأميركية يتحدث فيها عن قيامه بجولة الأسبوع المقبل تشمل السودان وتشاد وليبيا. فالمحور العام لهذه التصريحات هو «تحقيق السلام» علماً بأنه لم يرد في هذه التصريحات أي ذكر لعقاب أو تدخل عسكري دولي.
والسؤال الذي يطرح الآن هو: هل بلغت الحملة الدبلوماسية الأميركية بشأن دارفور منتهاهاً؟ وبكلمات أوضح نقول: هل توصلت الولايات المتحدة إلى قناعة نهائية بأن هجومها الدبلوماسي ضد النظام السوداني بشأن المشكلة الدارفورية سيقودها إلى صدام حتمي مع الصين؟
وهل توصلت إلى قناعة ثانية بأن تصعيد ضغوطها على النظام السوداني قد يحفز النظام في نهاية المطاف إلى نسف اتفاق نيفاشا المبرم مع الحركة الشعبية الجنوبية، وما مغزى ان تبعث الصين للمرة الأولى بوفد صيني رسمي إلى اقليم دارفور «لتفقد معسكرات النازحين»؟