بالأمس اختتم العراقيون أربع سنوات من الموت الذي يحصد أرواح الجميع دون تمييز ، ودون أن يتحقق هدف واحد من أهداف الغزو المزعومة الذي قادته القوات الاميركية والبريطانية على العراق تحت شعارات باطلة ، وبغض النظر عن المبررات الكاذبة للغزو من أسلحة دمار شامل لم يظهر أي دليل عليها أو إرتباط بالإرهاب أكدت التقارير أنه لم يحدث ، أو احلال ازدهار ديمقراطية صارت اليوم أعز منا لا من ذى قبل ' فإن الشعب العراقي يقف اليوم ليتساءل مذهولا : ثم ماذا ؟ فقوات الاحتلال تسعى لهدف واحد هو الذى تحقق منذ اللحظة الاولى ، انه هدف السيطرة على مصادر النفط ، وأصبح العالم يتندر بأن مبنى وزارة النفط العراقية هو الوحيد الذي لم يتم قصفه بل تمت حراسته والحيلولة دون إلحاق أي ضرر به ثم كانت الخطوات التالية متمثلة في السيطرة على منابع النفط ومصافيه وموانئ تصديره وأنابيب نقله ثم حدث ما هو اكثر غرابة الا وهو تعطيل العدادات حتى لا يعرف أحد كم من ملايين البراميل تضخ يوميا في مخازن ومستودعات النفط الاميركية والبريطانية والآن يحق للشعب العراقي أن يتساءل مرة اخرى ثم ماذا ويضيف تساؤلا جديدا الى متى ؟.

إلى متى هذا الموت الزاحف على شوارع العراق بينما ثرواته تزحف بعكس الاتجاه اي نحو الخارج ؟

قال العرب قديما : حاكم ظلوم خير من فتنة تدوم !! وهذا المثل صار عنوانا للحكم المستبد لكنه تحول بعد غزو العراق الى مثل يجسد قمة الموعظة ، الموعظة التي يتفوه بها بعض العراقيين الذين اكتو اكثر من غيرهم بنار الفوضى الأمنية المستشرية في أوصال الوطن العراقي من شماله إلى جنوبه، فبعض هؤلاء اليوم يتباكى على أيام صدام ويندم على حالة الفرح العابر الذي اكتنفه وهو يرى تماثيله تسقط في ميادين بغداد.. ترى لو أن الشعب العراقي وجد نفسه في حالة استفتاء على اختيار تمثال جديد ينصب مكان تمثال صدام حسين، فأي تمثال يختارون، وأي رمز عليهم اليوم أن يخلدوه؟ هل سيضعو تمثالاً لدبابة أميركية؟ أم لطفل عراقي فقد عائلته أو أطرافه وعاش بين الناس نموذجاً حياً لفظائع الغزو الأجنبي من أجل مكافحة الحكم (الظلوم) فإذا به يؤسس بنية أساسية لفتنة (تدوم) أما البنية الأساسية للديمقراطية فلا عزاء لأحد فيها لأن سرادق العزاء في الديمقراطية سيكون مصيره تفجير سيارة (انتحارية) بداخله.

اليوم يتجول بعض المغامرين من الصحفيين الأميركيين في شوارع بغداد يستطلعون آراء الناس في مطلع العام الرابع لبدء المأساة، فإذا بهم يجدون من يندم على أيام صدام، وبعض هؤلاء الصحفيين كانت لديه الشجاعة ليطرح هذه الحقيقة المؤلمة على العالم الذي استفاق على معركة الحرية وهي تطيح برؤوس ضحايا كانوا هم ضحايا الاستبداد السابق كأحياء، ولكنهم الآن صاروا ضحايا الحرية الأموات منهم من سبق ومنهم من ينتظر، وعجز الجيش الغازي (المحرر) في عام الغزو الرابع عن جلب الحرية او الأمن او الاستقرار او الرخاء او حتى حماية جنوده من (محرقة الحرية).

محرقة الحرية لم تحرم الشعب العراقي وحده من نسيم الحرية، بل حكمت على المنطقة بكاملها أن تستشعر مرة أخرى مرارة الحكمة العربية القديمة عن المفاضلة بين الحاكم الغشوم والفتنة التي تدوم بصفتها تجبر الانسان على ان يختار بين أمرين أحلاهما مر.