تستوقفنا أخبار، وتستفزنا أخبار أخرى عندما نشعر بدرجة الاستهتار فيها عالية، وعندما نشعر بأن هذا الاستهتار يطال مصالحنا كأفراد، ومصالح المجتمع بأكمله. مناسبة حديثنا هذا، خبر قرأناه منذ يومين في صحيفة محلية، إذ قالت إن طبيبا آسيويا يعمل مديراً وطبيبا استشارياً في أقسام الباطنية والأطفال بمستشفى خاص بالفجيرة منذ عام تقريباً، على الرغم من رسوبه ثلاث مرات في امتحان وزارة الصحة الخاص بمزاولة المهنة في كل مستشفيات الدولة.
الخبر يشير إلى كارثة وهي استغلال أصحاب المستشفيات الخاصة حاجة الناس للعلاج من خلال تعيين أطباء لم يجتازوا امتحانات مزاولة المهنة، وهم بذلك يؤكدون أهدافهم المادية، وسعيهم لتحقيق أكبر هامش من الأرباح على حساب صحة الأفراد. قد يقول قائل إننا نقسو على صاحب المستشفى، أو نحمله ما لا ينبغي، لكن كيف لنا أن نلتمس له أعذاراً وهو من قام بتعيينه، وهو الذي يفترض أن يكون مسؤولاً عن التأكد من اجتيازه امتحان مزاولة المهنة؟
الطبيب حسب الصحيفة يعمل منذ عام كطبيب ومسؤول استشاري في أهم الأقسام، وهما قسما الباطنية والأطفال، واستمراره في العمل والكشف على المرضى ومتابعة أطباء الأقسام التي يتولى مسؤوليتها تؤكد عدم اكتراثه وصاحب المستشفى بشروط وزارة الصحة لمزاولة المهنة، ولا نعلم سبباً واضحاً لذلك. فهل يرى الطبيب أن الامتحان غير قادر فعليا على تقييمه؟
أو أنه يرى بأن خبراته وإمكاناته تفوق أي اختبار، فمن الممكن أن يضرب به عرض الحائط؟ ولنسلم بأن هذه وجهة نظر الطبيب ومن قام بتعيينه، فما هي إذن وجهة نظر وزارة الصحة في هؤلاء الأطباء الذين مازال بعضهم يصر على العبث بصحة أفراد المجتمع؟ هل أجرت تحقيقاً في الموضوع لتصل من خلال هذا التحقيق إلى آليات يمكن بها ضبط هؤلاء الأطباء لوضع حد لتجاوزاتهم واستهتارهم، أم أن لديها كوزارة تلك الآليات لكن المشكلة كبيرة وتصعب السيطرة عليها.
إن ما نلاحظه من مخالفات مهنية في القطاع الطبي، خاصة فيما يتعلق باجتياز اختبارات مزاولة المهنة، أو فيما يتعلق بالتراخيص والتخصصات، أنها غالباً ما تقع في عيادات ومستشفيات خاصة. وكنا ومازلنا نتصور أن عملية الضبط في القطاع الخاص (الطبي) سهلة ولا تحتاج إلى جهد كبير، إذا ما وضعنا في الاعتبار أن مثل هذه التجاوزات من المستحيل وقوعها في المستشفيات والعيادات الحكومية باعتبار أنها واقعة تحت مسؤولية ورقابة الجهات الحكومية. لكن ما نتصوره يبدو أنه بعيد عن الواقع الذي يثبت صعوبة ضبط الأطباء المخالفين في القطاع الخاص.
لذا فإننا انطلاقاً من إيماننا بدور الوزارة الرقابي الذي لا يتم دون تعاون الجهات المسؤولة الأخرى، نأمل تكثيف الحملات التفتيشية على العيادات والمستشفيات الخاصة التي تصر على العبث بصحتنا وسلامتنا، فما يضبط منها يستحق عقوبات رادعة، تضع حداً لهذا الاستهتار الذي لم نعد نحتمله، والذي أصبح يشكك في كافة المستشفيات والعيادات الخاصة.
وهذه العقوبات لا ينبغي أن يتحملها الطبيب الخاص وحده، بل لابد أن تمتد لمن قام بتشغيله وهو عالم بمخالفته، وعدم أهليته لمزاولة المهنة.