ليس هناك ما يزعج المشاهدين على شاشات قنوات التلفزة أكثر من برامج الـ «توك شو»، التي أصبحت أكثر من الهم على القلب على الفضائيات المحلية وكذلك العربية، بل أكثر ما يغيظ فيها هو إطلاق المذيعين والمذيعات أسماءهم عليها وربطها بها ظنا منهم أن أسماءهم ستحقق النجاح للغث الذي يملأون به ساعات البرنامج في تسوفيه غير عادي لعقلية المشاهدين.

في برامج ليس لها مكان سوى أقرب سلة مهملات، لأنها بحق خاوية وسطحية ليس فيها سوى جموع التماثيل الحاضرة للتصفيق في الأستوديو ومحاولات الاستخفاف من قبل المذيع بطرح مواضيع مستهلكة مملة سئمها الجمهور، تليها محاولات مستميتة لينتزع الضحك من الناس، وأخيرا مطرب من إياهم يرقص ويحرك شفتيه على «فيد باك»، ثم تنتهي الحلقة على لا شيء مفيد ولا حتى ممتع.

المثير والمضحك في هؤلاء أنهم لا يترددون في الأحاديث الصحفية التي تجريها معهم المجلات، بأنهم معجبون بالمذيعة الشهيرة الأميركية «أوبرا وينفري» ويتطلعون إلى تقديم برامج مماثلة لبرنامجها العالمي الشهير «أوبرا شو»، وكأنهم بتقليدهم وإضافة أسمائهم إلى برامجهم أصبحوا مثلها، وسيقدمون برنامجاً ناجحاً مثل برنامجها وسينالون شهرتها «عشم إبليس في الجنة».

فشتان بينها وبين غيرها ممن يحاولون تقليدها واستنساخ برنامجها الذي لا يشبهه غيره، ولا مذيع أو مذيعة مثل أوبرا التي تمكنت بفضل ما تملكه من إمكانيات ومهارات وفريق عمل، يسبق ذلك كله حبها الشديد لعملها وتفانيها من أجله، بل واحترامها لجمهورها العريض على مستوى القارات من تقديم برنامج رائع متجدد منوع بعيداً عن الابتذال تتناوله في حوار راقٍ ومتحضر لا ينقصه التواصل والتشويق.

أوبرا مبدعة في عملها، هذا الإبداع الذي خرج من بطن معاناة عاشتها في طفولتها من فقر مدقع وتحرش ومخدرات، وما إلى ذلك، لتشكل أنجح وأبرع وأغنى مذيعة في العالم ينتظرها الملايين من المشاهدين ليس في الولايات الأميركية وحدها بل في العالم أجمع.

أوبرا التي لن يستطيع أحد استنساخها، هي أكثر المذيعات تأثيراً على التلفزيون والأعلى دخلاً، إذ يكسب برنامجها أكثر من 260 مليون دولار سنوياً من الإعلانات وتتقاضى راتباً سنوياً يبلغ 25 مليون دولار وثروتها تزيد على المليار دولار.

الجميل في أوبرا ليس شهرتها ونجاحها في برنامج يجذب الملايين من المشاهدين، ويدر الملايين من الدولارات بل في القضايا الإنسانية والخيرية والاجتماعية التي تتناولها في برنامجها، وفي المساعدات التي تقدمها للمحتاجين والمنكوبين.

تدعو في برنامجها الناس في أنحاء العالم للتبرع وتقديم المساعدات المالية للمستحقين.

وتمكنت في هذا الصدد من بناء عشرات المنازل للمشردين، وتقديم منح دراسية للطلبة المعوزين وأنشأت أكبر مكتبة في العالم لينهل منها طلاب العلم والمعرفة في كل القارات، وتبنت أكثر من 50 ألف طفل في افريقيا، وقدمت دعماً كبيراً لضحايا تسونامي، وقدمت حلولاً لكثير من المشاكل الاجتماعية، لتصبح بمثابة البلسم الذي يقدم الأمل ويعالج الألم في نفوس المحتاجين أينما كانوا، فأصبحت السمراء الجميلة أكثر التصاقاً بالفقراء والمعدمين. وهي في قمة النجاح والشهرة والغنى. ولم تنس معاناة من عاشت يوما مثلهم، وسخرت ما عندها لإسعاد الآخرين، وهي في ذلك تقول: لا شيء يضاهي إدخال الفرح في نفوس الآخرين وحب الخير والعمل التطوعي.

أوبرا صادقة تضحك لسعادة الناس، وتبكي لأحزانهم، فأصبح برنامجها بمثابة مؤسسة خيرية اجتماعية ثقافية تدعو فيه للقراءة والكتابة وكل ما هو جميل ومفيد، وتناقش فيه شتى المواضيع والمشكلات من غير أن تتعرض للآخرين والإساءة إليهم، وإن حدث شيء من ذلك فإنها لا تتردد في تقديم الاعتذار.

وعن المحافظة على إنجازاتها وأعمالها تقول أوبرا: «تعلمت أن أوقع شيكاتي بنفسي وأن أعمل معظم الوقت، وأن لا أرتاح إلا بعد يوم عمل لا يقل عن 14 ساعة. ففي تلك اللحظة فقط اشعر بأني استحق وعن جدارة الاسترخاء في مغطس بالفقاقيع، لأني أشعر أنني عملت جاهدة واستحق ذلك».

أوبرا الأنيقة لا تظل طوال الحلقة مشغولة بتسريحة شعرها وطريقة جلستها وظهورها- كما هي الحال - مع مذيعاتنا، بل هي قمة في الاحترام وتظهر بملابس لائقة وبعيداً عن الابتذال، فهل تتعلم منها المذيعات بعض الصفات والخصال؟

fadheela@albayan.ae