الذين قرأوا رواية «فوضى الحواس» للجزائرية أحلام مستغانمي صاحبة «ذاكرة الجسد» ربما مازالوا يتذكرون حديث بطلة الرواية حين كانت تحكي عن شقيقها ناصر، الذي كان حسب ما جاء في ثنايا القص، شخصية متناهية الانتماء لقضية الجزائر، إنه يذكّر بتلك الشخصيات التي ما عادت موجودة، وبأولئك الذين حملوا أوطانهم وقضاياهم ونور الشمس ورحلوا إلى أراضٍ أخرى، تاركين أوطان الجغرافيا والقضايا الأخرى لآخرين يحملونها على طريقتهم الخاصة!!.

حين تتحدث البطلة أثناء السرد القصصي عن شقيقها ناصر تصفه قائلة: ناصر، عمره سبع وعشرون سنة، أكبره بثلاث سنوات، ويكبرني بقضية، لقد جاء إلى العالم هكذا حاملاً قضيته معه، كما نحمل نحن أسماء لا نختارها، وإذ بنا نشبهها في النهاية».

لقد كانت أحلام مستغانمي ـ الرواية والبطلة معاً ـ تختصر مأساتها بذكاء وحساسية شديدة وبتكثيف متقن «أكبره بثلاث سنوات ويكبرني بقضية» !

وبشكل أو بآخر تعترف البطلة أن شقيقها الأصغر سناً كان الأكبر دائما، لأن صاحب القضية دائماً اكبر ومستمر ومتدفق في الزمن حتى وان طال عليه زمن الركض، زمن عبور الأزمنة القاحلة او بدا انه لا ضوء في اخر النفق، حتى وان وصل الجميع وارتاح الكل، وحتى وان بدا ان القبح منتصر، وان المنشغلين والمعتنين بتأثيث الأمكنة بهذا القبح هم المقربون والمكرمون والقابضون على كل المداخل حتى وان امتلك أعوان القبح كل أعواد الثقاب، فإن صاحب القضية يبقى فتيل الشمعة وزيت القنديل، يبقى لأنه الأصلح، اما الزبد فيذهب جفاء.

وتستمر أحلام في رسم شخصية ناصر فتقول: لقد تقاسم كل شيء مع الوطن، يتمه وفقره واسمه حتى صار ذاكرته غير المدللة، فليس مهماً ان تكون غنيا ومدللاً وابن وجيه، المهم ان لا تشعر بالبرد او الغربة وانت تسير وحدك حاملا قضيتك. كان ناصر يحمل قضية الجزائر كمن يكتب حبه وذاكرة الوطن.. فكان يتدثر بهما ويمضي.

من كان يتدثر بقضيته فليتفحصها جيداً، لأنها في النهاية تصير مركبتك الوحيدة في صحراء الوقت والبشر، تفحصها لا لتتأكد من عدالتها ولكن لتتأكد من مقدرتك على استمرار حملها، ذلك ان اصعب ما في هذه الصحراء ان تنام على قضية وتصحو على فراغ، فإذا شفيت من قضيتك ابتلعتك الرمال ومضيت إما إلى لاشيء أو إلى عوالم المعاطف الباذخة والأصوات المتدثرة بالزيف وجنون المجد الذي لا توفره القضايا الكبرى بقدر ما يوفره الدجل والخواء.

قد تصل في رحلتك إلى نتيجة ملموسة وحاضرة في الوقت، واغلب الأحيان قد لا تصل بهذه السرعة. قد يكمل غيرك المشوار وربما تموت منتحرا او مقهورا، كما فعل آخرون لم يحتملوا طغيان الفجائع والانكسارات.. لم ينتحر ناصر ولم يجن، لكن طريقه مازال شائكاً!

sultan@dmi.gov.ae