لا تشكل المراكز العربية التقليدية نماذج قابلة للتبني، بسبب إخفاقاتها المتعددة، للمتجهين نحو المستقبل، نعم إنها قد تكون كانت كذلك قبل خمسة أو ستة عقود من الزمان، ولربما ليس بجديد القول أن معايير التصدر في العالم المعاصر تقوم على محددين رئيسيين: محدد الصعود الاقتصادي ومحدد الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي.

ولا يبدو أن أيا منهما له السبق أو الحضور في المنطقة العربية. أي بتعبير آخر لقد دفعت طبيعة التحولات التي جاءت على العالم بفعل الثورة الرقمية ومصاحباتها ولربما تداعياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية نحو بروز لمراكز جديدة للتحول، بل إنها قد دفعت نحو أفول النماذج الأوروبية وبروز نماذج جديدة في التحول الاقتصادي والسياسي في شرق وجنوب آسيا. بل بدا مركز الثقل الاقتصادي العالمي وكأنه مُنتقل إلى المراكز الآسيوية الجديدة.

ومن يطلع على تقارير التنمية البشرية للأمم المتحدة خلال السنوات الست أو السبع عشرة سنة الماضية يكتشف حقيقة موقع المنطقة العربية التي باتت كل دوله محصورة أما في خانة الدول ذات التنمية البشرية المتوسطة أو المتدنية. ودوله الأربع التي اخترقت خانة الدول عالية التنمية البشرية هي من أطرافه الخليجية. بل أن هذه التقارير توضح ولربما تؤكد عن عجز واضح في القدرة ليس فقط على النهوض من جديد كما تفعل الآن الهند والصين .

وإنما تشير كذلك إلى عجز هيكلي واستسلام واضح للفشل، وتكلس مؤسسة الدولة فيها وعجزها عن الإبداع. فمتوسط دخل الفرد في هذه المراكز العربية لم يرتفع كثيرا إذا ما قورن بالنموذج الآسيوي خلال العقد ونصف العقد الماضيين. فنصيب الفرد في المنطقة العربية من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1991 كان 3695 دولارا ارتفع في عام1996 إلى 4426 دولارا إلا أنه في عام 2006 انخفض إلى4228 دولارا بالمقابل فإننا نجد أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في النموذج الآسيوي قد ارتفع من 6841 دولارا عام 1991 ثم إلى 11276 دولارا عام 1996 ثم إلى 17276 دولارا عام 2006.

وبشكل عام فإن الناتج الإجمالي المحلي لدولة من دول العالم الثالث كالصين يصل الناتج المحلي الإجمالي لها حوالي1931 مليار دولار في حين أنه في الحالة العربية يقدر بحوالي 852 مليار دولار. وهو يصل في حالة دول شرق آسيا إلى 3608 مليار دولار وفي حالة أميركا اللاتينية إلى 2028 مليار دولار.

بل يكفي القول كذلك أن معدل الأمية في الكثير من المراكز العربية رغم سبق دخولها الزمني في الحداثة يتجاوز نصف السكان كما هو في الحالة المصرية والسودانية واليمنية والموريتانية والعراقية... وغيرها. وترتفع الأمية في حالة النساء لتشكل في بعض حالاتها أكثر من ثلثي النساء العربيات. وفي الوقت الذي اختفت فيه الجامعات العربية عن قائمة اليونسكو لأفضل 500 جامعة على مستوى العالم، احتلت الكثير من الجامعات الآسيوية الشرقية في الصين وسنغافورة والهند صدارة هذه القائمة.

ومن الناحية الأخرى، فإنه رغم أن الكثير من دول العالم الثالث قد استطاعت أن تخرج من ثوبها الاشتراكي نحو نهوض رأسمالي كالصين والهند، إلا أن جل الدول العربية، إن لم يكن كلها، ذات التراث الاشتراكي السابق ما زالت عاجزة عن النهوض وتجاوز اقتصادياتها المتهالكة، والحد من تنامي الفساد في أوساط نخبها السياسية. فمصر التي قد يكون لها سبق طرح مسألة التصحيح الاقتصادي منذ مطلع سبعينات القرن الماضي، ما زالت تواجه تلكؤا وعجزا على النهوض، لأسباب هيكلية تمس عصب الدولة وطبيعتها والاقتصاد ودرجة انكشافه على الخارج.

و على الصعيد الآخر، فإن الحالة السياسة للمنظومة العربية، تكشف عن مآزق سياسية حقيقية في إطار علاقة الدولة بالمجتمع في داخل القطر الواحد وفي علاقة الأقطار العربية ببعضها البعض وعجزها عن الوصول إلى صيغة تشاركية فاعلة. وتكشف التقارير الدولية المتعلقة بقضايا الإصلاح السياسي في المنطقة العربية وخصوصا تلك الصادرة عن منظمة بيت الحريات، عن تلكؤ واضح في خطوات الإصلاح رغم بدأ بعضها وتعثر البعض الآخر.

فمثلا في الوقت الذي بدت الأقاليم الأخرى في العالم تختفي فيها الدول ذات الحريات المعدومة، كأميركا اللاتينية وشرق أوروبا، وبشكل تدريجي في شرق آسيا ولربما القارة الأفريقية، وتتسع فيها دائرة الدول ذات الحريات السياسية الواسعة، نجد أن المنطقة العربية مازالت كإقليم تتمثل فيها وبشكل كبير ليس فقط الدول ذات الحريات المعدومة والتي تمثل 73% من دولها وإنما في كونها كإقليم يضم العدد الأكبر من الدول المسماة بالدول الأوتوقراطية التي تنعدم فيها الحريات السياسية بشكل كبير وصارخ.

بل باتت بعض دول هذه المجموعة مصدره لخبراتها في المجالات المختلفة المعيقة لأي نهوض ديمقراطي! في الدول ذات الخبرة الحديثة بالإصلاح الديمقراطي، ويُذكر هذا الوضع ببعض الأدوار التي كانت تلعبها رومانيا وبولندا ويوغسلافيا وغيرها من دول أوروبا الشرقية في تصديرها للخبرات اللا ديمقراطية والمقيدة لحركة المجتمع ولحرياته، للكثير من الدول العربية ذات الخبرة السابقة ولربما الحالية بأنظمة الحكم الشمولي. والتي باتت في بعضها مصدر تصدير «خبراء تنمية الديمقراطية» في بعض دول المنطقة.

وتعتبر المنطقة العربية الإقليم الوحيد في العالم الذي تختفي عنه الدول ذات الحريات السياسية الكاملة في حين أنها في ازدياد واضح في الأقاليم الأخرى من العالم.. فنسبة بسيطة من دوله وهي 27% تتمثل في خانة الدول ذات الحريات الجزئية. وهي في واقع أمرها ليست بمجموعة مطردة الأتساع والنمو، ففي العام الماضي لم يدخل في خانة الدول ذات الحريات الجزئية من دول المنطقة إلا اثنتان وفي العام الذي سبقه كانت تتمثل في أربع من دوله.

وتدعم حالة عدم الرغبة في التنازل السياسي المتبادل بين فرقاء العملية السياسية اللبنانية والتعديلات الدستورية المصرية الأخيرة إلى جمود وتقهقر ليس في الإصلاح كعملية سياسية وإنما في إمكانية تأصيل ثقافة الديمقراطية لكل أطراف العملية السياسية: دولة ومعارضة. في المقابل نجد أن اندونيسيا وهي الدول الإسلامية الوحيدة في العالم التي تقع في خانة الدول ذات الحريات السياسية الكاملة. يليها من حيث الدرجة الحاصل عليها تركيا وماليزيا ( ثلاث وأربع درجات من عشرة لكل منهما).

وتنبع أهمية إقليم شرق آسيا ليس في كونه إقليما ذي صعود اقتصادي كبير ومتسع فحسب وإنما في قدرته كذلك على تمثل قيم الديمقراطية وفي اتساع مساحة الحريات السياسية والمدنية فيه. وإذا ما كانت بعض المراكز العربية فاقدة القدرة عن النهوض الاقتصادي وعاجزة عن تمثل صلب عملية الإصلاح والتحديث السياسي والدمقرطة، فكيف لها أو لخبراتها أن تشكل نموذجا قابلا للنهوض الاقتصادي والسياسي. بل كيف لها أن تكون نموذجا للنهوض المستقبلي. ولربما تأتي زيارات الكثير من رؤساء ومسؤولي الدول الخليجية لدول شرق وجنوب آسيا إدراكا منهم أن المستقبل القادم بات يصنع في الشرق.

كاتب بحريني