وجدت القوى الغربية التي عارضت غزو العراق لأسباب متعلقة بتوزيع الغنائم وليست متعلقة باحترام سيادة الدول، نفسها في موقف يصعب معه الاختيار بين انتصار الولايات المتحدة أو انتصار المقاومة العراقية عندما اشتد عودها وأصبحت طرفا قويا في حلبة الصراع.

كانت صعوبة الاختيار ترجع إلى عدة أسباب أهمها:

1 ـ إن الوجود العسكري الأميركي كان نتيجة قرار منفرد معاند ينطلق من حسابات استراتيجية أميركية فقط دون الأخذ في الاعتبار مصالح ونفوذ هؤلاء بالتالي فقد حاولوا عرقلة قرار الحرب الأميركي عن طريق اعتراضه في مجلس الأمن، غير أن الولايات المتحدة ذهبت في عدم الاكتراث بهم وإذلالهم إلى حد تركهم جالسين في مجلس الأمن لتعلن الحرب التي قررتها مسبقا عندما رأت أن بعض قوى أوروبا العجوز تريد أن تعيد عقارب الساعة إلى الخلف وتلعب دور القوى العظمي التي تستطيع أن تستخدم حق النقض ضد المشيئة الأميركية، التي في الواقع لا تستطيع أية مؤسسة الوقوف في وجهها طالما أنها تشكلت في الكونغرس وعبر عنها الرئيس.

كانت هذه القوي ترى في نفسها شريكا في قرار السلم والحرب بقدر ما يمثله حجم مصالحها في الاستراتيجية الغربية التي تضطلع الولايات المتحدة بقيادتها في هذه المرحلة ولكن هذه الأخيرة، التي درجت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على تصفية ارث النفوذ الاستعماري الأوروبي لم تعد تطيق أحلام العظمة التي لا تزال تراود تصرفات بعض هذه القوى التي ينبغي عليها أن تقبل بحقيقة إنها فقط جزء من الغرب ولكنها لم تعد تمثل سيادته وقيادته في مواجهة العالم ولذا عليها أن تسلم بحقيقة قدراتها المتواضعة وتصطف دون مشاغبة خلف الولايات المتحدة الأميركية راضية بما يمكن أن تجود به عليها هذه الأخيرة من بعض فتات غنائم الحروب الأميركية المنتصرة.

2 ـ لم تكن تجارب الاصطفاف خلف الولايات المتحدة في حروبها السابقة مثمرة بالنسبة لقوي الاستعمار الأوروبي العريقة، فقد كانت حرب الخليج الثانية التي احتشدت فيها أوروبا بقضها وقضيضها خلف الولايات المتحدة الأميركية آخر الدروس المفيدة لهذه القوى حول جشع الولايات المتحدة، التي لم «تعف عند المغنم» بل استحوذت بنهم على كل ما كان وما أصبح بين مخالبها تاركة رفاقها من الوحوش الصغيرة تنتظر عن بعد بحسرة ودون جدوي أن يسقط من بين أنياب ملك الغابة ما يمكن أن يقتاتوا به في عين المكان.

ولكنهم تفرقوا بعد توقف الحرب الخاطفة وعاد كل منهم إلى أهله خالي اليدين، فباستثناء الطرف البريطاني الذي حصل على نذر يسير من الفتات لأسباب معروفة ولكن سنرى انه قد دفع ثمن هذه الهبة بمشاركته اللاحقة في الحرب التي لا تزال تدور رحاها في العراق ولا يرى لها أحد مخرجا مشرفا.

3 ـ النهج الأميركي التفردي إلي جانب الاستحواذ الكامل على ارث أوروبا الاستعماري وغنائمها التاريخية.

كل ذلك يعد أمرا غير معتاد في تاريخ الاستعمار الغربي الممتد عبر ما لا يقل عن خمسة قرون، فقد كان الصراع على الغنائم يرتبط بتوازن القوى بين المتنافسين الذين لم يكن في مقدور أي منهم أن يستحوذ بمفرده على كل شيء أو أن يتفرد بقيادة أوروبا وجعلها تسير خلفه، فسياسة اقتسام العالم بالتراضي كانت هي القاعدة المعتمدة منذ أن قام بابا روما في القرن السادس عشر بتقسيم الكرة الأرضية إلي نصفين عندما احتدم الصراع والتنافس بين الأسبان والبرتغاليين.

ثم جاءت بعد ذلك بزمن اتفاقية برلين، التي نظمت شروط الاعتراف المتبادل في قضايا الفتح والاستيلاء على شعوب وارض الله الواسعة خارج القارة الأوروبية، وهكذا كانت دائما طوال تلك الحقبة الحالكة من التاريخ مرجعيات روحية وأخلاقية ـ حسب مفهوم الغرب ـ قادرة على ضمان الحد الأدنى من التفاهم حول الأسلاب والغنائم في القارات الأخرى وذلك منعا للصراعات المدمرة بين رسل الحضارة الواحدة.

4 ـ كان الظهور غير المتوقع للمقاومة العراقية أثرا بالغ الأهمية على سياسة ومواقف القوى الغربية المعارضة للغزو، فبما أنها لم تكن قادرة على منع الغزو الأميركي المنفرد فقد كان بروز المقاومة العراقية بالنسبة لهذه القوى بمثابة ورقة ضغط تقوى من موقفها المطالب بضرورة إنهاء الاحتلال الأميركي في أسرع وقت ممكن وفي حالة تحقق هذا المطلب فانه يؤدي إلى ثلاث نتائج هي:

أولا ـ حرمان الولايات المتحدة من الثمار التي كانت ترغب في جنيها من وراء قرار الغزو المنفرد للعراق وذلك هو بيت القصيد في أصل الخلاف بين الطرفين منذ البداية.

ثانيا ـ في حالة خروج الولايات المتحدة سفر اليدين من مغامرتها العراقية، سيكون ذلك بمثابة درس لكل الإدارات الأميركية في المستقبل بأن لا تكرر خطأ الذهاب منفردة لتسوية شؤون العالم دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح ومواقف قوى الغرب الكبرى مهما كانت هرمة.

ثالثا ـ دخول هذه القوى من خلال المنظمة الدولية كأطراف فاعلة في الإجراءات القانونية والسياسية في عملية التسليم والاستلام بين قوة الاحتلال المنسحبة وأجهزة المنظمة الدولية، التي تحل محلها خلال الفترة الانتقالية لإعادة بناء مؤسسات الدولة العراقية وهذا في حد ذاته يعد، من ناحية رد اعتبار لهذه القوى، التي تم تجاهلها في البداية، ومن ناحية أخرى عودة قوية إلي المنطقة التي حاولت الولايات المتحدة أن تحتكرها لنفسها، غير أن الوضع في العراق خرج عن السيطرة.

وأصبح ينذر بهزيمة للولايات المتحدة وليس مجرد الفشل والخروج المشرف، وذلك ما لا ترغب فيه هذه القوى لأن ذلك لا يعني هزيمة أميركية فقط بل هزيمة لمصالح واستراتيجية الغرب العريقة في المنطقة، فإذا ما قدر للمقاومة أن تحقق نصرا بذلك الحجم ، فان ذلك سيخلق أوضاعا تطال كل الخرائط والثوابت التي أرساها الغرب في المنطقة منذ قرون وتشجع كل القوى المعادية لهيمنة الغرب في المنطقة على التمرد ضد كل محرمات الاستراتيجية الغربية.

ولهذا فان هذه القوى تحاول إيجاد صيغة إذا ما قبلت بها الولايات المتحدة، فإنها من جانب تضمن لها حفظ ماء وجهها دون أن تجني ثمار مشروعها الذي خططت له بمفردها ومن جانب آخر لا تسمح للمقاومة العراقية بتحقيق نصر له تداعياته ونتائجه الخطيرة وبالتالي فان هذه الصيغة ستجعل من المقاومة تبدو وكأنها كانت مجرد ورقة ضغط ساعدت على إفشال المشروع الأميركي المنفرد وجعلت قوى الغرب الكبرى تستشعر الخطر وضرورة العودة إلي رحاب سياسة التوافق والتراضي، التي كادت أن تعصف بها مغامرات أميركية نزقة.

كاتب ليبي