كثير من الكتاب والإعلاميين والشرفاء في الوطن العربي تطرقوا إلى موضوع الفضائيات الهابطة، وكنا قد أشرنا في مقالات سابقة إلى أهمية هذا الموضوع وضرورة إظهار الحقائق وتعرية هذه الفضائيات وبيان ماهية السموم التي تبثها إلى مجتمعنا وأبنائنا.

كما أشرنا إلى المسؤولية التي يجب أن يضطلع به أبناء المجتمع أمام هذه الظاهرة السلبية كافة ودون استثناء، وفعلاً كانت هناك محاولات إيجابية صدرت من بعض الشخصيات المعروفة والتي تعتبر من وجوه المجتمع البارزة والتي أخذت بزمام المبادرة في محاربة هذا السرطان الفاسد والذي يسمى بالفضائيات الهابطة، وهذه المبادرات الخيرة، ورغم ضيق حجمها وقلة إمكانياتها غير أنها تعتبر البداية التي نأمل أن تلقى الآذان الصاغية من الجميع.

وفي هذه المقالة نحاول أن نستعرض الوباء وطرق العلاج وطرق الوقاية منه، والوباء نقصد به هنا الجريمة التي ترتكبها الفضائيات الهابطة بحق مجتمعنا مستهدفة أبناء الوطن العربي من حيث تدري أو لا تدري.

وبصراحة أن هذه الفضائيات استغلت الانفتاح الاقتصادي الذي أتاحته بعض الدول العربية والتعامل الشفاف مع المستثمرين، حيث تم إنشاء منطقة حرة متكاملة الخدمات وذات بنية تحتية حديثة وتستخدم فيها أفضل التقنيات، وفعلاً هذه الخطوات جذبت الكثير من الشركات الإعلامية ذات الشهرة العالمية لما تتمتع به هذه المناطق من خصائل فنية تساعدها على انجاز أعمالها الإعلامية بسهولة ويسر .

وبما يرجع من عوائد هذه الاستثمار بالخير على الدولة وشعبها،غير أن هناك من يعكر صفو الجو ليستغل هذه الظروف الاقتصادية الاستثمارية ليحقق من خلالها أهداف توصف بأقل الأحوال أنها أهداف غير نبيلة لما تحتويه من مضامين تستهدف المجتمع وأبناءه وتقاليده مقابل الربح المادي غير المشروع، بل الأكثر من ذلك أنه قد تكون هذه الفضائيات الهابطة مسيرة عن قصد لهدم كل ما يتصل بالمجتمع العربي وتقاليده، وبالنتيجة لو كان هذا الهدف أو ذاك فإنه يستهدف المجتمع بل من أجل هدمه سواء يعلم أصحاب هذه الفضائية الغارقين بأموالهم أم لا.

وقد نجد رجلاً أو امرأة من أصحاب الغيرة على وطنهم وأبنائهم يرفع صوته عالياً هنا وهناك من أرجاء الوطن العربي مطالباً بحملة ضد هذه الفضائيات، وقد تصل إلى عقد ندوات، وهذه المبادرات تأتي وتذهب دون فعالية تذكر، ذلك لأننا نعتقد أن الوباء يتفاعل بسرعة وينتشر في جسم المجتمع وفي المقابل نجد أن عملية العلاج بطيئة بحيث لم تعد تواكب استشراء الفضائيات الهابطة في بيوتنا وعقول أبنائنا ولاشك أننا سنصل إلى مرحلة من استشراء الفضائيات الهابطة في جسد المجتمع إلى حد لا رجعة فيه، وبالنتيجة يؤدي هذا إلى رفض عقول أبنائنا ومجتمعنا لطرق العلاج لأنها ستصبح عندئذ كمثل الدواء الذي لا مفعول له في جسم المريض على فراش الموت.

وعسى أن نكون قد أعطينا الصورة الواضحة لطرق العلاج الحالية لهذه الظاهرة السلبية والتي في خلاصتها رسالة واضحة وسريعة ان هذه الطريقة في العلاج غير كافية ويجب أن ينتبه المجتمع أن آخر العلاج هو الكي، ولكننا هنا نشير إلى أنه يجب أن نبدأ بطرق علاج علمية وذات طابع يتصف بالشفافية، وإذا لم ينفع يتم الانتقال بعد ذلك إلى طرق الترغيب والترهيب وفي حالة عدم فائدة العلاج الأخير فيكون آخر العلاج هو الكي.

أذن هناك ظاهرة سلبية تغلغلت في عقول أبنائنا وهناك حملة لمعالجة هذه الظاهرة السلبية غير أن هذه الحملة لم تصل إلى مستوى الحملة الوطنية الشاملة لكل أرجاء الوطن العربي لمكافحة ما تبثه الفضائيات الهابطة، وقبل الإعلان عن هذه الحملة الوطنية الشاملة يجب أن نثقف المجتمع عن موضوع هذه الحملة وضرورة المشاركة فيها من قبل كل أفراد المتجمع سواء كانت مشاركتهم معنوية أم مادية، وقد تكون المشاركة فكرية وبالأقلام.

ومن خلال الجامعات والمدارس والدوائر الحكومية والقطاع الخاص، والإعلان والتشديد على الفعالية بالمشاركة، والمهم هو إشعار المجتمع بالخطر المحدق الذي يحيق بهم من جراء هذه الفضائيات وما تبثه من برامج ضد تقاليدهم والتي ستتسبب في إفساد عقول أبنائهم والنشء جميعاً، وعليه يجب أن نقف وقفة رجل واحد ضد هذه الظاهرة السلبية ومحاربتها فكرياً ومقاطعتها لإفشال أهدافها.

ونؤكد هنا أن المسؤولية هي مسؤولية المجتمع كافة وعلى كافة الوجوه البارزة أخذ دورهم الكامل في هذه الحملة من خلال تقديم الدعم الكامل للعلاج من هذا الوباء لشفاء المجتمع منه، وبخلافه فإننا سنكون أمام نتائج وخيمة لا سمح الله، وبهذه المناسبة فإننا لابد أن نذكر القارئ ببعض السلبيات الناتجة من الفضائيات الهابطة وتأثيرها على أبنائنا، ومنها نذكر استنزاف أموال المجتمعات العربية مقابل تصدير نظريات تغذي عقول أبنائنا، هي في حقيقتها نظريات هدامة لتقاليد المجتمع العربي المسلم، بمعنى أننا نقدم المال لجهات معلومة كانت أم مجهولة مقابل هدم منازلنا وقيمنا ونسمح بغزو أفكار أبنائنا بأفكار مريضة.

وكذلك نذكر منها انحراف بعض الشباب وبدلاً من أن يتصف بالرجولة والفروسية نشهد اليوم وبفضل ما تقدمه هذه الفضائيات أصبح البعض من هؤلاء الشباب بعيدين كل البعد عن مظاهر الرجولة. وهذا الذي نتكلم عنه هو القليل من الكثير ولو أردنا أن نتكلم عن هذا الوباء نجد أن هذه الفضائيات تتطور وتتفنن في زرع الفساد والتفكك في مجتمعنا مقابل طرق علاج تكاد أن تكون معدومة الفعالية مع الاحترام والتقدير لبعض المبادرات التي يقودها ممن لهم الغيرة على وطنهم.

ولابد لنا ان نذكر ان المواطنة ليست جنسية وانتساباً إلى الدولة فقط بل هي انتماء روحي وجسدي للوطن، وعلى كل مواطن عربي شريف ان ينمي ويطور مواطنته ويمارس دوره في مجتمعه للدفاع عنه وعن الدولة بالطرق المقررة والتي يراها المنطق مناسبة، ومن هذا المنطلق نعرج إلى موضوع استغلال المشاريع الاستثمارية للقنوات الفضائية لأرض الدول العربية لبث سمومها .

وهذا ما نقول به ان على كل فرد من هذا المجتمع ان يكون متحصناً بما فيه الكفاية ضد هذا المد الفاسد، ويجب من هذا المنطلق خلق طرق علاجية علمية للقضاء على هذا المرض ولا يمكن هنا التصور ان الكتابة في الصحف والمجلات وحدها كافية للقضاء على هذا المد الفكري المناهض لواقع المجتمع العربي.

صحيح قد يكون النشر في الصحف جزءاَ من العلاج مثل تثقيف المجتمع من هذه الهجمة الفكرية ولكنها في النهاية لا تمثل الطريقة المثلى للعلاج، ولكن قد تكون هناك رزمة من الأفكار التي يمكن ان تكون البلسم على الجرح ومنها مثلاً إنشاء فضائيات مضادة للفضائيات الهابطة كذلك تفعيل دور الإعلام المرئي والمسموع والمقروء .

في تعرية ما تبثه هذه الفضائيات من برامج هابطة ومناقشة هذه البرامج وماذا تهدف وأي فئة تستهدف ووضع تعليمات وضوابط وأنظمة لعمل الفضائيات مع وجوب مراعاة اللياقة اللازمة لبث البرامج وعقد ندوات لأولياء الأمور وإعلامهم خطورة هذه البرامج التي تبث من الفضائيات الهابطة والحرص على مراقبة أبنائهم بما شاهدوه من برامج ووضع نظام التشفير للقنوات غير المرغوب بها والتي يجب تحديدها وعدم تعميمها. هذه الأفكار وأفكار أخرى قد تكون أفضل وأحسن مما طرح في هذا المقال ستصب في خدمة المجتمع وسلامته من هذه الظواهر السلبية وصد الهجمة الفكرية التي تستهدف مجتمعنا.

كلية القانون جامعة الشارقة

Rashid.shabib@binshabib.ae