بعد مضي 22 عاماً لا يزال السؤال دون إجابة. أم أن هناك إجابة لكنها تظل طي الكتمان؟
السادس من أبريل الجاري صادف ذكرى الانتفاضة التي أطاحت بنظام الرئيس السوداني جعفر نميري الذي امتد لستة عشر عاماً، والسؤال التاريخي الذي ظل مطروحاً منذ ذلك الحين هو؛ هل كانت النتيجة التي انتهت إليها انتفاضة الشارع في عام 1985 تدبيراً أميركياً؟
نشأ التساؤل في ذلك الحين عن مقالة تحليلية للكاتب الصحافي البريطاني المخضرم كولين ليجوم. كان ليجوم يكتب عموداً أسبوعياً في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية تحت عنوان مستديم هو «رسالة لندن». وبعد نحو أسبوعين من سقوط نظام الرئيس نميري طرح ليجوم تحليلاً إخبارياً عن ما جرى في الخرطوم بما يفيد أن النتائج النهائية تبلورت أخيراً وفقاً لسيناريو أميركي.
المحور الرئيسي لهذا التحليل هو زيارة رسمية قام بها جورج بوش الأب نائب الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريجان قبل بضعة أسابيع من اندلاع الفوران في الشارع.
ويقول الكاتب البريطاني إنه بالإضافة إلى اجتماع بوش مع الرئيس نميري ونائبه عمر محمد الطيب بصورة بروتوكولية رسمية فإنه عقد أيضاً اجتماعات سرية من خلف ظهر النظام الحاكم رتبتها له السفارة الأميركية.
اجتمع بوش مع شخصيات تقود نقابات مهنية ـ خاصة نقابة أساتذة جامعة الخرطوم ونقابة الأطباء ـ دخلت في مواجهة مع النظام. كما اجتمع مع الصادق المهدي بصفته ممثل «الجبهة الوطنية» المعارضة.
وبعد أن أبلغ بوش تلك القيادات بصورة ضمنية أن واشنطن لا تمانع في تغيير النظام فإنه أبلغ المهدي أيضاً أن لدى الولايات المتحدة ثلاثة شروط:
أولاً ألا يجري النظام القادم أي تغيير جوهري في توجه السياسة الخارجية لنظام نميري، وثانياً أن يلتزم النظام البديل بأن يواصل السودان سداد أقساط الديون الخارجية لصالح المؤسسات المالية والمصرفية الأميركية، أما الشرط الثالث فيتعلق بطريقة تغيير النظام القائم. ووفقاً للكاتب ليجوم فإن بوش اشترط أنه لكي يحدث التغيير بصورة «منظمة وسلسة» فإن القيادة العليا للقوات المسلحة ينبغي أن تقود عملية التغيير. ولهذه الغاية نصح بوش الصادق المهدي أن يبادر إلى إجراء اتصال مع وزير الدفاع الفريق عبدالرحمن سوار الذهب «وستجده متفهماً».
وهكذا جرت الأمور: عند لحظة معينة لانتفاضة الشارع دخل الجيش على الخط بعد أن تأكد قادته من أن الرئيس نميري سيبقى محتجزاً في القاهرة.
نعم.. أنشئت حكومة مدنية. لكن السيادة العليا في السلطة كانت لمجلس عسكري من قيادات الجيش.
ونعود إلى السؤال الأصلي: هل حقاً انتهت انتفاضة الشارع إلى نتيجة مرسومة بناء على سيناريو أميركي؟
ليس هناك سبب يدعو إلى عدم تصديق رواية كولين ليجوم. فقبل عامين من اندلاع الانتفاضة ظهرت دلائل تؤشر إلى أن الولايات المتحدة قررت أن نظام نميري صار من الوهن بحيث إن المصلحة الأميركية تتطلب التخلص منه قبل أن يحدث انهيار فجائي للنظام تعقبه حالة فوضى يمكن أن تستفيد منها قوى داخلية معادية للمصالح الأميركية.
الآن هناك شهود سودانيون أحياء. ويبقى السؤال معلقاً إلى أن يقرر هؤلاء الشهود الكشف عن عما لديهم من أسرار.