كل الذين استعانوا بالأجنبي في مراحل تاريخية متقدمة، أو متأخرة، رهنوا حياة وطنهم وشعبهم في يد مدمّر، وقد سبق أن استقبل بعض عينات من اللبنانيين الجيش الإسرائيلي بالورود وحارب معه ضد الفئات الأخرى، وكأن مشهد سقوط دولة الأندلس يعود بذات الأشكال، والعراق جاء في آخر السلسلة الطويلة في الاحتلال الأميريكي بدوافع ووصايا من المعارضة العراقية لكن الوطن هو من دفع الثمن..

فالذين عاشوا في حماية الجيش الأميركي، والذين حاربوه حين كان لكل فئة دوافعها وقناعاتها وجدوا أن المسألة ليست باحتلال خلّصهم من دكتاتورية ظالمة ليعم السلام وتنتشر الديموقراطية، بل هناك من أراد إحلال دول أخرى تلعب نفس الدور، سواء كانت عربية، أو إقليمية.

ولذلك فالأربع سنوات من الاحتلال جاءت بهزائم فادحة للعراقيين الذين أعطت قياداتهم نموذجاً غريباً حين فتحت مخزون أحقادها على بعضها، وجعلت من الطائفية سلوكاً أسوأ من الاحتلال، وحتى الأميركان الذين حاولوا القفز على التاريخ.

والواقع لم يتوقعوا أن يتحول العراق من رصيد للثروة النفطية كما حلموا، إلى كابوس يكلف الخزينة الأميركية مئات الميارات من الدولارات، وكلفة معنوية حين اتسعت بؤر الإرهاب من داخل العراق وخارجه، واهتزاز لصورة أميركا لدرجة العداء من شعوب ظلت حليفة أو متعاطفة معها وفقاً لسلوكها المناقض والمعتدي على الشرعية الدولية وقوانينها، ولو قدر أن صرفت هذه المبالغ على تنمية العراق لتمثل دورها الإنساني والحضاري، ولأخذت أكبر شهادة في ممارسة الحقوق، والتعالي على العرقيات وغرور القوة.

العراق يعيش أسوأ مراحله التاريخية، فحتى لو ذهب الأميركان والقوات الدولية، فإن الحالة السائدة في الداخل، لا يمكن التغلب على نتائجها بجملة افتراضات بأن المشكلة سياسية يأتي على رأسها الاحتلال، لأن الأمر تجاوزها إلى صراع يجب الاعتراف به طائفي وقبلي.

ووسطهما نفوذ قوى أخرى تلعب دور المحرّض، والفاعل في تعميم الفوضى، ولأول مرة نشهد من يتحدث عن الهوية العراقية، فيما إذا كان إسلامياً، أو عربياً، أو كردياً مما تسبب في تكريس التقسيم كواقع، وأضاف إليه تصفيات وتهجير حتى للعاصمة بغداد بأن تكون إحدى جهاتها سنية، والأخرى شيعية، وهذه الصور التي أحدثها الاحتلال، لن تتغير بجلائه.

أزمة العراق هي شيوخ يتقاتلون بأسماء غيرهم، أو بتواطؤ مع الأميركان، والقضية أخلاقية، حيث كل الرموز التي تقود بالعلن، أو الخفاء، ما يجري على الساحة العراقية لا تنقصها الثقافة، والمنطق، بدليل أن كل متحدث منها على شاشات الفضائيات نراه واعياً بدرجة امتياز، ولكن قوله يخالف فعله سواء جاء من الشيعة، أو السنة، ويبقى الأكراد أكثر توازناً في مواقعهم بالسلطة، أو داخل الكيان الكردستاني، لأنهم مستقلون بإقليمهم ولا يريدون التورط في حروب الأشقاء والأعداء..

الذكرى الرابعة للاحتلال تجربة قاسية ومدمرة، ولو خرج منها العراقيون بالتراضي ثم جلسوا بمبدأ الوطن فوق الخلافات، لربما كانوا شجعاناً وأوفياء لبلد لديه من الرصيد التاريخي والإمكانات المادية ما يجعل كل العراقيين يعيشون حياة سعيدة تتوفر فيها السلامة والتنمية الشاملة..