معركة الصحافة قديمة وطويلة، وهي ليست عندنا، إنها في كل مكان، فالصحافة معنية دوماً ودائماً بطرح الأسئلة، وطرق الأبواب، دون أن ننسى أن هناك دائماً منزعجين من الأسئلة ومنزعجين من طارقي الأبواب، فهناك دائماً أسئلة يراد لها أن تبقى بلا إجابة، وأبواب أن تبقى مغلقة، تكريساً لواقع لا يراد له أن يتغير، من هنا تنبثق المعركة وعلى أساس حق المعرفة تقوم حركات التطوير والتغيير!
إن المعركة الحاصلة منذ فترة في أروقة الصحافة الإماراتية ممثلة في الخلاف بين أعضاء جمعية الصحافيين ومجلس الإدارة، معركة متكررة في كثير من تجمعات الصحافيين المهنية في العالم العربي تحديداً، وهي معركة مشروعة وصحية تماماً بشرط أن تؤدي إلى نتيجة حاسمة لصالح الحراك الصحافي الاجتماعي وبشرط أن تقوم على معطيات واضحة ومطالب أو مقترحات منطقية لكلا الفريقين، ولا ضير في أن ينتصر الفريق الأقوى حجة، والأكثر تنظيماً، لكن الأجمل والمطلوب أن يقود هذا الانتصار إلى تغيير ملموس على أرض الواقع!
وهنا فإنني أسجل نقطة لصالح الزميلة «الاتحاد» على مبادرتها بفتح ملف الخلاف علناً وبشكل إيجابي وإعطاء الفرصة لجميع من له رأي أن يقول ما لديه، وقد قال الجميع ما يعتقدونه صحيحاً دون أن يصادر من أي زميل حرف مما قال، إن هذا التعاطي مع حرية الرأي.. هو البوابة الصحيحة لإقرار واقع صحافي حر وموضوعي.. والأمر ليس صعباً ولكنه يحتاج إلى شجاعة وإلى مبادرة وإيمان مبني على اقتناع راسخ لدى إدارات صحفنا المحلية في تعاطيها مع حرية الصحافة.
لماذا الإيمان والاقتناع؟ حتى لا تتحول هذه المبادرات إلى مجرد ردات فعل وقتية نتيجة موقف طارئ ومن ثم تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل ذلك الموقف، إن الحرية في الصحافة هي فعل وعي يتراكم عبر الزمن وهي تأتي قبل المهنية أحياناً وخاصة بالنسبة للصحافيين والكتاب الموجهين للرأي وأصحاب المواقف، هؤلاء لا يمكن قبولهم وفرزهم بعيداً عن هذه المسألة فهي علامتهم الفارقة والوحيدة والتي تحتاج إلى ضمانات حماية خارجية عبر قوانين المطبوعات والنشر، كما تحتاج إلى ضمانات بقاء ذاتية في نفس صاحبها تعززها المؤسسة الصحافية وضوابط العلاقات التراتبية داخلها!
لقد أثارت المعركة الأخيرة الحاصلة هذه الإشكالية بشكل واضح، واضعة تحتها ألف خط، وتحدث زملاء وزميلات في القضية الأهم، قضية الحرية والمطالبة بمنع أي حالة طغيان أو تسلط أو تدخل بعيد عن الموضوع أو محددات المهنة.
ستكون هذه المعركة أو الحملة ناجحة إذا استطاعت كسر بعض الحلقات العصية، كما حددت حركة البعض، وأظهرت بعضهم في حالة من الإرباك وضعف الأداء، وهذه نتائج ممتازة إذا ما انعكست قوة وإيجاباً على مستوى الضوابط في مسألة التدخلات، وعلى مستوى منع إرهاب الصحافيين الصغار، وعلى مستوى اختفاء ظاهرة قمع الآراء ومنع الأعمدة الصحافية، وعلى مستوى تفكيك التكتلات الشخصية وتوظيف الصحف في سياقها.