يأتي الإنسان إلى الدنيا محتجا، إذ إنه يصرخ بحرقة وألم فور نزوله من رحم أمه، ثم يعلمه أهله الكلام في أول سنتين، حتى يكون قادرا على التفاعل مع الحياة والتكيف مع مختلف مساراتها، ويكون هذا التعلم في حد ذاته احتجاجا على الانسحاب والصمت والتوحد مع الذات.
وبعد هذا تتولاه مؤسسات القمع في الدول الاستبدادية بدءا من الأسرة نفسها وصولا إلى أجهزة الشرطة، مرورا بالمدرسة وجهاز البيروقراطية المتوحش والصحافة الموجهة والاقتصاد المخطط مركزيا والأوصياء على الدين ومثقفي السلاطين، لتعلمه الخرس والنفاق ومسايرة الأحوال الهابطة والظروف القاهرة، ربما حتى آخر عمره.
وهناك سؤال مبدئي مفاده: هل التظاهر مسألة يمكن أن يتعلمها الناس؟ وسؤال آخر للمستقبل يدور حول إمكانية أن ينجح هؤلاء «المعلمون» في إخراج الجماهير الغفيرة عن صمتها، وانتشالها من انسحابها وسلبيتها، ودفعها دفعا إلى عمل جماعي، ينهي حالة الاستقطاب السياسي الحاد ذات الطابع النخبوي التي تعيشها مصر الآن؟
ويحفل علم «الاجتماع السياسي» في حديثه عن «التنشئة» و«الرأي العام»، و كذلك «النظرية السياسية» في تناولها لمبحث «القيم» بتصورات، ثبت اختبارها ميدانيا، تبرهن على إمكانية أن يتعلم الناس فن التظاهر، إن توافرت أدوات التعلم وكانت الظروف التي يمرون بها تحفزهم على الاحتجاج. فالفرد يختزن في ذاكرته معرفة سياسية، لا تلبث أن تمنحه منظومة من القيم، تتحول إلى اتجاهات وتوجهات أو سلوك ومواقف حيال السلطة والأحداث. وإذا كانت هذه المعارف سليمة وإيجابية فإنها تعزز القيم التي تحض على الانخراط والمشاركة، ومن هنا تدفع في اتجاه التغيير إلى الأفضل.
وإذا كان ما تقدم يدل على أنه من الممكن أن تكتسب الجماهير الغفيرة ثقافة الاحتجاج، فإن لهذه الثقافة، جانبا حرفيا أو فنيا، شأنها في ذلك شأن أي منتج ذهني، مهما بلغ من التجريد، وأي منتج سلوكي مهما هبط إلى درجة واضحة من السكون. وتتلخص هذه الحرفية في كيفية أداء فن الاحتجاج، بدءا من المقاومة بالحيلة والعصيان المدني وانتهاء بالشغب والتمرد الذي قد يصل إلى ثورة عارمة كاملة.
وهناك من الخبرات والمعطيات التاريخية في كل الأزمنة والأمكنة ما تزيد هذا التصور وثوقا، يصل به إلى درجة الحقيقة. وتجلى هذا الوضع في أعلى صوره إبان فترة الكفاح ضد الاستعمار، فمثلا ألهمت ثورة 1919 التي جرت في مصر بقية الشعوب العربية، بل تعلم زعيم الهند الكبير المهاتما غاندي ـ حسبما اعترف وأقر ـ من حركة النضال التي قادها سعد زغلول.
ويمكن أن نلتقط من بين أحداث التاريخ الثرية المشهد الأخير، الذي جسدته حركة الاحتجاج في جورجيا وأوكرانيا وقيرغيزستان، نزولا إلى لبنان ومصر وتوجو. فمع ثورة الاتصالات التي حولت العالم إلى قرية صغيرة تعلم الناس في كل الدول المستبدة أو الشمولية مما جرى، إذ حصدوا العبر وأمعنوا النظر في النتائج الكبيرة التي تمخض عنها غضب الجماهير، ثم تشجعوا، واستجمعوا قواهم، وراحوا يعيدون إنتاج ما شاهدوا، عن كان مع اختلاف في الشكل والحجم يتماشى مع الظروف التي يمرون بها.
وحين راحت دول أوروبا الشرقية تتساقط واحدة تلو الأخرى أمام عاصفة التغيير التي اجتاحتها بعد ترنح الاتحاد السوفييتي المنهار، حفلت الصحف العربية بكتابات مطولة عن التحول الديمقراطي، بعضها عميق إلى حد الإحاطة وأغلبها سطحي وعابر إلى مستوى الاكتفاء بالعرض والتلميح، لكنها جميعا كانت تريد أن تجيب على تساؤل جوهري مفاده: هل تهب ريح التغيير على جنوب المتوسط؟
وراح المتفائلون يؤكدون أن الريح لن تعبر العالم العربي من دون أن تهز فيه أركان الجمود والاستبداد، ومال الباحثون الثقاة إلى ترجيح قدرة النظم العربية الحاكمة على الاستمرار سنوات أخرى متماسكة وقابضة على زمام الأمور، أما المتشائمون فتصوروا أن الاستبداد العربي سيعيش نصف قرن من الزمن على الأقل، وأفرط هؤلاء في التحسر على مرور ريح التغيير بسماوات العرب سريعا، لتدور في جنبات دول أفريقيا جنوب الصحراء، فتقبل تباعا على تطوير نظمها السياسية باتجاه الديمقراطية.
اليوم تعاود العواصف هبوبها الهادر، فتنزاح الأنظمة المستبدة في آسيا الوسطى والقوقاز وشرق أوروبا وأفريقيا، في وقت تسير فيه الكثير من النظم العربية بمعدلات أبطأ كثيرا عما هو مطلوب من إصلاح شامل، وكأن القائمين عليها يتوقعون أن تتفاداهم ريح التغيير هذه المرة أيضا، أو أن يتفادوها بحزمة من الإجراءات الشكلية، أو الطلاءات الخارجية، أو بحملة علاقات عامة توحي بأن هناك اتجاها للإصلاح، في محاولة لامتصاص غضب الداخل، من خلال تعبئته حول اعتقاد زائف في أن الأمور تتحسن، والعجلة تدور.
وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية قد تخلت عن فكرة تعزيز الديمقراطية حين تأكدت من أن هذا الاتجاه سيكون ضد مصالحها فإن النخب السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية الوطنية المعارضة في العالم العربي، أو الراغبة في التغيير، هضمت ما جرى خلال الخمسة عشر عاما التي أعقبت سقوط حائط برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي، وما أعقب إسقاط نظام صدام حسين، وهاهي تحوّل ما هضمته إلى عصارة من الاحتجاج السلمي، الذي قد يتصاعد تدريجيا، لينحاز الجميع إلى معادلة التغيير من الداخل، بيدنا لا بيد عمرو، وعلى أرضية وطنية، تصون مصالح الشعوب، وتحفظ الأوطان من أخطار التفكك والتطاحن.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة