شاهد العالم في الأسبوعين الأخيرين كيف أصبح البحارة البريطانيون كرة بنج بونج في لعبة السياسة، فتم تقاذفهم بين الطرفين في سيناريو بدا غامضا بعض الشيء في البداية وقد تكون غامضة عند بعض البحارة أنفسهم الذين دخلوا في مساحة تفوق مساحة مياه شط العرب، التي ينبغي علينا التوغل في لعبتها ومضربها السريع بين خصمين لدودين يسعيان في الوقت نفسه إحراز انتصار بطريقة دبلوماسية وتحقيق التقارب الدبلوماسي بتكتيك عسكري، فكيف نقنع أنفسنا أن البحارة دخلوا المياه الإقليمية نتيجة خطأ فني في تلك المساحة الصغيرة والتي يسهل فهمها جيدا في عصر الرادارات والأرصاد والبوصلات المتقدمة؟
هناك سيناريوهان لا ثالث لهما الأول إما أن البحارة البريطانيين دخلوا المياه بهدف معروف هدفوا منه الدوافع ولأغراض معينة أو أن الإيرانيين وجدوا في اعتقال أولئك البحارة صيدا ثمينا للمقايضة والتفاوض؟ فما هو السيناريو الذي وضعه الإيرانيون وما الذي كان يدور خلف كواليس السياسة البريطانية؟ وما هو تكتيك الطرفين العسكري والسياسي؟.
لنحاول تلمس السيناريوهين، ولكن قبل البدء بذلك ينبغي تذكر كارل كلاوزفيتز (1780-1830) وهو جنرال بروسي، نظري وعسكري، صاحب جملة من الأبحاث في تاريخ الحرب النابوليونية وغيرها من الحروب وصاحب أشهر مقولة: «إن الحرب ليست إلا امتداد للسياسة بوسائل أخرى» وسنجد الوسائل المتنوعة تلك، النفسية والإعلامية والتكتيكية التي استخدمها الطرفين في اللعبة.
فإذا ما سلمنا جدلا في السيناريو الإيراني الذي وجد فرصة سانحة في توجيه ضربة للبريطانيين الذين يشنون عليهم حربهم الإعلامية، والذين لعبوا دورا كبيرا في ترويج فكرة أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل فإنهم أيضا يواصلون بنفس القوة الترويج أن الإيرانيين بمشروعهم النووي يسعون لصنع أسلحة دمار شامل بذلك المشروع، ويفهم الإيرانيون أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة لها طرف ثنائي في لعبة البينج بونج هي بريطانيا، والتي تتمركز في منطقة الجنوب انطلاقا من حنينها القديم للعودة لتلك المنطقة وامتلاك نفط ومواقع إستراتيجية فقدتها تطل على مياه الخليج وقريبة من الحدود الإيرانية. فكيف بإمكان الجمهورية الإيرانية أن تنام بطمأنينة وبجوارها قوات التحالف على مرمى البصر؟.
ما فعلته السياسة الإيرانية باختطاف البحارة هدفت من ورائه تحقيق عدة عوامل، أولا قراءة رد فعل الحكومة البريطانية وتصرفها مع تلك العملية. ثانيا تهييج الشارع البريطاني وهو الذي كان من الداخل جبهة منقسمة ومناهضة لسياسة بلير في الحرب على العراق ومن ثم الضغط في اتجاه الانسحاب من العراق لتصبح حدودها أكثر آمنة. ثالثا تواجه حكومة بلير وحزبه تراجعا في شعبيتهما مما يضعه أمام محك امتحان أصعب للمغامرة بحياة الجنود المختطفين إن لم يتصرف بحنكة في اللعبة.
رابعا سيفتح موضوع الاختطاف فرصة للمقايضة مع قوات التحالف حول الإيرانيين الخمسة المختطفين ويمنح الطرفين فرصة مراجعة ملفاتهما في قضايا عديدة. خامسا إضعاف قوة التنسيق والتعاون بين الولايات المتحدة وبريطانيا في آلية التصرف في الملف العراقي والإيراني وبدفع بريطانيا انتهاج سياسة تكون على درجة من الاختلاف والتباين في تلك العلاقات والمصالح البينية والاقتناع بالدور السوري كوسيط مهم في المنطقة.
سادسا تحاول السياسة الإيرانية بتلك العملية تقوية لحمة الجبهة الداخلية بإبراز إمكانية القوات العسكرية الإيرانية وبأنها قادرة في الدفاع عن أراضيها ومشروعها النووي في ظل قرارات حصار المجتمع الدولي.
وبتلك المساومة تحسم تيارات الصقور في الجمهورية تردد الحمائم حول نهج الليونة مع الغرب في قضايا مصيرية كالملف النووي الإيراني.
وعلى الضفة الأخرى من طاولة البينج بونج كانت اللعبة البريطانية تمضي في اتجاهات وعوامل تالية. أولا تنفذ السياسة البريطانية إستراتيجية المسارين على كل الأصعدة العسكرية والدبلوماسية، الإعلامية والنفسية، التفاوض المرن والضغط ، المعلن والخفي في ذات الوقت دون اللجوء لسياسة القطيعة المطلقة مع إيران.
ثانيا نجاح البحارة في رسم دقيق للحدود بشكل مستقبلي وهذا ما فعلته المذكرة التوضيحية التي قدمتها الدبلوماسية البريطانية لإيران والتي تحدد الخط الحدودي في مياه شط العرب، ونحن الذين عرفنا أن من قام بترسيم تاريخي للمنطقة هم البريطانيون، والذين لم ينسوا كيف يتركون خطوطا افعوانية في الترسيم تسببت في تفجرات وحروب لاحقة. ثالثا محاولة قراءة وقياس ردود فعل الطرف الإيراني ومدى تأثيره على الوضع الداخلي.
رابعا تحقق تلك المناكفة العسكرية فرصة لبناء الجسور المتقطعة وتمتينها وتحقيق سياسة المسارين عن طريق فتح خطوط اتصال جديدة مع طهران وهذا ما أوضحه بلير نفسه، ولكنه في الوقت ذاته عبر سياسته المعلنة قال للعالم ولشعبه، ان بريطانيا لن تقبل سعي طهران للحصول على أسلحة نووية أو دعمها للإرهاب، وهو بذلك يحاول طمأنة الحلفاء الاستراتيجيين جميعهم بما تم في الصفقة.
خامسا مواصلة إيران وبريطانيا ـ بالرغم من خطوط الاتصال ـ بنهج خطاب التضخيم الإعلامي، فمن جهة يردد بلير آن البحارة افرج عنهم دون أي صفقة ودون تفاوض ودون أي اتفاق جانبي، بينما يردد الإيرانيون أن بريطانيا بعثت بخطاب اعتذار ـ لم نقرأ نصه ـ فترد الدبلوماسية البريطانية مستنكرة وجود مثل ذلك الخطاب.
ثم لعب كلا الطرفين بعاطفة الشعبين فقال الرئيس نجاد ان الإفراج عن البحارة هدية للشعب البريطاني فقابله إعلام مضاد بقول بلير للشعب الإيراني «ليس لدينا تجاهكم أي نوايا سيئة، إننا نحترم إيران كحضارة قديمة» وبذلك الخطابين يدغدغ الطرفين عاطفة الشعب ليبعث له برغبته في إقامة علاقة مختلفة مع حكومته.
ولا نعلم إن كان هناك خطاب اعتذار أو صفقة فعلا بين الطرفين، وماذا فعلت إيران في التحقيقات مع البحارة وهل انتزعت منهم اعترافات مهمة سواء بالضغط أو دونه، فذلك متروك لمنظمة الامنستي فوحدها تقرر لاحقا في تقريرها، فالمهم النتيجة التي خرجت بها إيران من تحقيقها مع البحارة، والذين عادت لتقدمهم «هدية» لتلعب بعاطفة الشعب البريطاني في عيد الفصح بل وفصّلت لهم بدلات متشابهة وكأنهم وفد رياضي ولكن دون ربطات العنق وأطعمتهم جيدا كدعاية إعلامية لتتوجه للشعب البريطاني أولا وللمجتمع الدولي ثانيا أنها تمد يدها للسلام والصداقة.
كاتب بحريني