أثبتت الأيام والوقائع أن القضية الفلسطينية، أو كما تُعرف دولياً بقضية الشرق الأوسط، لا تحل لا بالقرارات أو المبادرات أو حتى بالاتفاقيات السياسية الدولية أو الإقليمية أو المحلية. ليس ذلك من قبيل الإفراط في التشاؤم ومحاولة النيل من أية مبادرة أو قرار أو محاولة لإيجاد سلام دائم لشعوب المنطقة.

هنالك فرق شاسع جداً بين ما يجري على أرض الواقع وبين ما تصبو إليه كافة المبادرات الفردية والجماعية. الاحتلال الإسرائيلي ماض في تطبيق سلسلة من الإجراءات المبرمجة سابقاً والطارئ منها بهدف إزهاق روح أية مبادرة من شأنها أن تعود بعجلة تاريخ المنطقة ولو ساعات معدودة إلى الوراء تتبعها سلة من استحقاقات سلام طال انتظاره يدفعها الاحتلال الإسرائيلي.

مبادرة السلام السعودية والتي تبنتها القمة العربية المنعقدة في بيروت عام 2003 تمثل خطوطاً عريضة ليس فيها شيطان التفاصيل الذي برعت إسرائيل بإتقان التعامل معها منذ اتفاقية كامب ديفيد مع الحكومة المصرية عام 1979 وصولاً إلى اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة عام 1994 مع القيادة الفلسطينية والحكومة الأردنية، على التوالي.

بعريض العبارة تعتمد المبادرة العربية على تطبيق ما يمكن تطبيقه من قوانين ومبادئ الشرعية الدولية وحقوق الإنسان العربي الوطنية، في مقدمة ذلك كله الأرض مقابل السلام حسب التصور الأميركي لما يجري في المنطقة. كالعادة هنالك في المبادرة ما يثير غضب إسرائيل وتحفظاتها وهنالك ما يمكن أن تنتقيه وتقبل به، ولو شكلياً إعلامياً. لكن وبشكل عام فإن كل ما ورد في مبادرة السلام العربية يثير التحفظ الإسرائيلي، ترغب إسرائيل في تطبيق نزعة الانتقائية المتشددة والتفسيرات أحادية الجانب في كل خطوة في حال دخول المبادرة حيز التنفيذ.

في الماضي القريب البعيد رفض بعض العرب بالنيابة عن إسرائيل قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 الشهير، بسبب الاختلاف على (أل) التعريف في تعبيريْ «الأراضي المحتلة» في النص الإنجليزي أو «أراضي محتلة» حسب النص الفرنسي، كان على إسرائيل الانسحاب منها عند احتلالها عقب عدوان يونيو 1967. ذلك ما أجّل تطبيق القرار 242 الدولي إلى إشعار آخر مما أدى إلى تثبيت الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة والتوسع في إجراءاته الاستيطانية الدائمة.

جاء توقيت إعادة طرح أو إعلان المبادرة العربية في وقت تحتاج فيه الإدارة الأميركية إلى تجميع النظام السياسي العربي الحاكم خلفها أو إلى جانبها على الأقل لأنها على وشك ارتكاب خرق فاضح آخر للقانون الدولي بحق دولة أو دول أخرى في المنطقة بحجة التخلص من التهديد النووي الإيراني الإقليمي والدولي.

في الماضي وبعد ضرب العراق عام 1991 كان مؤتمر مدريد الذي هدف إلى امتصاص نقمة العرب بإعطائهم أملاً ولو زائفاً بحل ما للقضية الفلسطينية. نتج عن مؤتمر مدريد اتفاق أوسلو الموقع في واشنطن عام 1994 والذي يتصف بأنه يسارع في تصفية القضية الفلسطينية بطريقة دبلوماسية.

وبعد احتلال العراق عام 2003 حملت مبادرة السلام العربية بارقة أمل لبعض العرب كثمن تقدمه الإدارة الأميركية لهم بدل احتلالها للعراق، طمعاً في موقعه الجيوـ استراتيجي وخيراته الأكثر استراتيجية. في تلك الأثناء شاعت في الأوساط الثقافية العربية على أن روح ونص المبادرة العربية كانا من بنات أفكار أحد المفكرين السياسيين الأميركيين اللامعين، ذلك ما جعل المبادرة تحصل ولو ضمنياً على مباركة الأوساط السياسية والشعبية الأميركية.

مع استمرار التردي في أوضاع الدول العربية الداخلية واستمرار التمزق واستحداث الفتن الداخلية والفوضى المستعرة هنا وهناك فإن إسرائيل المدعومة بقوة أميركياً هي الأقل حاجة للتطبيع مع تلك الدول، زرافات ووحداناً.

باتت الكثيرات من الدول العربية تطمح للتطبيع مع إسرائيل أكثر من أي وقت مضى. أصبحت معظم الدول العربية تقيم علاقات سرية وعلنية سياسية وتجارية مع الدولة العبرية طمعاً في كسب ودها وود حليفتها الاستراتيجية الإدارة الأميركية التي أي الأخيرة باتت تتعامل مع الدول العربية على أساس أنها حواضن لما بات يُعرف دولياً بـ «الإرهاب الإسلامي».

ومع الانبهار العربي العام بما يسمى بالتقدم العلمي والتطور التقني الإسرائيلي فإن التطبيع الفعلي الكامل العلني مع إسرائيل أصبح مسألة وقت، سواء حُلّت القضية الفلسطينية أم لم تُحلّ.

الغريب في أمر الساسة والقادة العرب أنهم وبعد عقود طويلة من الاكتواء بنار المخططات المعادية لهم لا يزالون يثقون بوعود الساسة الغربيين، أو مجبرين على ذلك على الأصح. ما أن تطرح مبادرة أو يصدر قرار من هذا القبيل أو ذاك حتى تستقبل العواصم العربية قادة سياسيين معظمهم من المؤسسات الدولية والإقليمية التي لا حول لها ولا قوة مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمؤتمر الإسلامي والجامعة العربية. جميع ما ذُكر أعلاه هي أصلاً مؤسسات محكومة بقرارات الدول الكبرى والتي ليس للعرب أي نفوذ بالقوة يذكر فيها.

المندوبون عن تلك المؤسسات ليس لديهم أية سلطات أو صلاحيات على أرض الواقع على الرغم من الوعود البراقة التي ينبسون بها ما وراء الكواليس وفي المؤتمرات الصحافية والإعلامية المرافقة. الأمور لا تعدو كونها أكثر من زوابع في فناجين تثار هنا وهناك من وقت لآخر لذر الرماد في العيون.

على مدى العقود الطويلة من السنين دأب مندوبو الدول الكبرى والمؤسسات الدولية في تناول أنخابهم مع زملائهم ومضيفيهم من القادة العرب، وتحت أنوفهم تمضي أكبر عمليات اغتصاب لحقوق الإنسان العربي عامة الفلسطيني خاصة، الحقوق الوطنية والأساسية والمكتسبة. عند الطرف الإسرائيلي يستمر مسلسل الإجراءات المدعوم أميركياً في تثبيت الاحتلال الإسرائيلي وتطويره وديمومته وتعظيم سيادته على كامل المنطقة من حوله.

كلمة التطبيع لها معنيان مختلفان بل متضادان لدى كل من الإسرائيليين والعرب. في الوقت الذي ينظر فيه العرب إلى التطبيع على أنه فتح سفارات وتبادل رفع الأعلام بين الجانبين والتعامل التماثلي إلا أن التطبيع بالمعنى الأميركي والإسرائيلي يعني الاستفراد الأحادي والاختراق والتحكم والسيطرة إلى درجة تقرب من الاستعمار والاحتلال المقنّعين.

وبما أن المبادرة جاءت، ولو اسمياً، من زعيم عربي يحتل موقعاً مرموقاً بل حساساً في العالمين العربي والإسلامي فإن ذلك يفتح الباب بشكل واسع نسبياً أمام المطبّعين للهرولة بسرعة دون التفكير بانتظار تنازلات من الطرف الإسرائيلي لصالح القضية الفلسطينية، تنازلات طال انتظارها حتى بلوغ الرمق الأخير!

لا بل سيضع ذلك الانزلاق التطبيعي القضية الفلسطينية في حالة سبات أو نوم أو حتى موت سحيق إذا ما ذاقت الدول العربية والإسلامية حلاوة طعم الإغراءات الأميركية المختلفة والتي في معظمها تتمثل في إنعاش مستوى المصاريف والاستهلاك وتحسين طرق وأساليب التغذية والخدمات.

حين إعادة طرح المبادرة العربية في مؤتمر القمة العربية وبحضور وفود دولية ومنظمات إقليمية مختلفة أعلنت إسرائيل نيتها في شراء، أو بالأصح اقتناء، حوالي 100 طائرة من طراز ف35 الأميركية الجد متطورة. هذا بالإضافة إلى إجراء إسرائيل مزيداً من التجارب على صواريخ إسرائيلية أميركية مضادة للصواريخ البالستية تتحسب من قدومها عليها بسبب الحرب التي يتم التخطيط لها على قدم وساق في دوائر البنتاغون. في المدن الإسرائيلية تجري تمرينات في نظام الدفاع المدني الإسرائيلي للوقاية من هجمات كيماوية أو بيولوجية محتملة.

ذلك يصب في خانة إلهاء العرب بالحلم في تطبيق مبادرة لإحلال السلام في المنطقة في الوقت الذي يجري فيه تكوين «حلف عربي ـ إسرائيلي» ولو شكلي ضمني صوري مع استمرار التخويف من عدو! إيراني ـ شيعي مجهز بترسانة من أسلحة متفوقة فتاكة قد تكون أسلحة الدمار الشامل جزءاً منها.

التنسيق التكاملي بين إسرائيل والإدارة الأميركية للتعاطي مع مبادرة السلام العربية يُفقد العرب القدرة على الذهاب بعيداً في طموحاتهم السلمية مما سيجعلهم يرضخون لمطالب أكثر تعقيداً، بل أكثر مأساوية مما حدث في اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو. في ظل سيادة نظام أحادي القطبية الدولي لا مكان للسلام العادل، أو القريب من العادل إلى درجة مقبولة.

هنالك سلام قائم على مسايرة المصالح الأميركية والتي لا تقل وزراً وثقل ظلٍّ عن المصالح الإسرائيلية، إن لم تتفوق عليها في العمق والاتساع والاستراتيجية وقوة التأثير والاختراق. في كل هذا وذاك العرب ومن خلفهم المسلمون سيصبحون غير قادرين على الاستمرار في المطالبة بتطبيق مبادئ وبنود المبادرة العربية للسلام.

جامعة الإمارات

nasrin@uaeu.ac.ae