عشية زيارة رئيس الوزراء الكويتي إلى تركيا في الأسبوع الماضي كان رئيس وزراء تركيا يحضر مباراة كرة قدم بين فريق تركي وفريق سوري في حلب شمال سوريا هكذا هي العلاقات التركية العربية قريبة إلى درجة غير مسبوقة منذ النصف الأخير من القرن الماضي، فتركيا اليوم بجانب مساهمتها في القوات الدولية في جنوب لبنان،واستعدادها للدخول في السوق الأوروبية المشتركة، على ما يتطلبه ذلك الدخول من مواقف سياسية منسجمة مع المنظور العام لأوروبا، هي عنصر فعال في قضايا الشرق الأوسط،سواء كانت إقليمية أو حتى بينية بين طرفين عربيين،كلبنان وسوريا.

وتكسب أرضا اكبر في المشاركة بهذه القضايا عمليا كما تستقبل كشريك في موضوع العراق وفلسطين وإيران، إلى درجة أن الرئيس المصري قبل أسابيع قليلة وقع مع تركيا اتفاقا استراتيجيا للتعاون بين البلدين. فتركيا أصبحت محورا للعمل السياسي والاقتصادي في المنطقة.

العرب المهتمين بالسياسية نظروا إلي التجربة التركية بعين الإعجاب من زاوية قدرتها على التطور السياسي تحت سقف التراث الإسلامي (كون الحزب الحاكم له هذا التوجه) ولكن أيضا دون المساس بالدستور العلماني التركي. واسم الحزب هو اسم محايد «العدالة والتنمية» بالتأكيد مثل هذه التجربة من المنظور السياسي بمقارنتها بالتخبط الحاصل لدى كثيرا من العرب في تجاربهم السياسية تلفت النظر وتستحق الدراسة.

إلا أن تشريح التجربة التركية من الداخل والحديث مع المتخصصين تظهر الوجه الآخر للعملة،وهي صورة مؤثرة ليس في محور السياسة ، ولكن الأهم تأثيرها في محور الاقتصاد، وهو بيت القصيد ومربط الفرس في تطور الشعوب اليوم.

الصورة السياسية هي ليست كما تبدو من الخارج فحزب اردوغان الحاكم هو ليس حزبا دينيا ،انه ائتلاف فيه من الليبراليين والقوميين ما يجعله ائتلافا كبيرا يمثل أطيافا مختلفة من الشعب التركي، وما فيه من التوجه الديني تراثي وقيمي أكثر مما هو تطبيقي كما يريد البعض أن يقوم به في أماكن أخرى،هذا الائتلاف سبب نجاحه السياسي النسبي حتى الآن انه قدم لتركيا ما تحتاج إليه دولة كي تنهض ، الاستقرار والشفافية في الحكم في نفس الوقت وبالتزامن ،وهي معادلة دقيقة.

أما قاعدة النجاح التركي فهو الاقتصاد. وحتى تسهل المقارنة فان عدد سكان تركيا اليوم يماثل تقريبا عدد سكان بلد عربي مثل مصر، طبعا تركيا جغرافيا اكبر من مصر، وأراضيها أكثر تنوعا في مصادر الثروة. إلا أن تركيا تصدر إلى العالم اليوم ثمان مرات ما تصدره مصر على سبيل المثال.

ومن جهة أخرى فان معظم صادرات تركيا تتوجه إلى أوروبا،وهو دليل على أن صناعة تركيا هي صناعة منافسة في سوق كبير وحريص على مستوى البضاعة التي يقدمها لجمهوره،ودليل آخر على أن الصناعة التركية قد أجادت موضوعين الأول الحرص على الجودة والثاني الدخول في المنافسة السعرية، وكلاهما يقدمان الصناعة التركية على طبق من ذهب إلى الأسواق العالمية،ويجعل دخولها إلى السوق الأوروبية المشتركة ،إن حدث، فوز اقتصاديا ضخما للشعب التركي.

مجال آخر اكتشفته مؤسسات الأعمال التركية،هو بعدها الإسلامي،واستفادت منه فقد نما تصديرها من البضائع والخدمات إلى هذه السوق الإسلامية أضعافا في السنوات القليلة الأخيرة ،مما جعل الليرة التركية، بعد تذبذب طويل، تتطاول مساواتها بالدولار الأميركي وتستقر.

ليست هناك معجزة في التجربة التركية، هناك فقط تصميم من قيادة تعرف ما تريد وتفعله علنا وبشفافية،حتى لو كان المطلوب بعض القرارات غير الشعبية في المدى القصير، تتخذ تلك القرارات على أساس أن لها مردودا اقتصاديا في المدى المتوسط والبعيد. إنها ديناميكية جديدة في تركيا رفعت الاقتصاد التركي من حالة التذبذب التي كانت سمة مستمرة له إلى مرحلة الاستعداد للقفزة الأكبر وهي دخول السوق الأوروبية المشتركة.

ليس كل ما في تركيا صورة وردية على الرغم من القفزة الاقتصادية في الثلاث سنوات الماضية وهي قفزة بكل المقاييس ملحوظة وكبيرة، إلا أن تركيا مثلها مثل الشعوب القديمة تموت لديها الأفكار الراسخة ببطء. هناك أولا القومية التركية التي هي مقياس لما يمكن للأفكار أن تفعل في تقدم الأمم إلى الأمام أو مراوحتها في المكان. وتتدخل القومية التركية معوقة من جهتين:

الأول ما له علاقة بقبرص التركية،وذلك موضوع تاريخي لم تستطع الحكومات التركية أن تقدم له حلولا عقلانية حتى اليوم بسبب ما يربط أتراك قبرص بالوطن الأم من شعور قومي،والثاني هو موقفها من الأقليات التي تشاطر الأتراك ارض الوطن، وخصوصا الأكراد،فقضية هؤلاء تشكل مجالا آخر في تعويق التطور السياسي في تركيا وعلاقتها بالآخرين،من منظور حقوق الإنسان والمساواة وبسبب طغيان الفكر القومي على السياسية الداخلية ،تبرز عدم قبول التعددية العرقية والثقافية كحقيقة من حقائق العصر معوقا للتقدم التركي.

هذان السببان يعوقا نهوض تركيا كما يجب ،ولو تخففت من هذين العاملين لأصبح لتركيا القدرة على ولوج العولمة بشكل أسرع مما يحقق نهضة تاريخية للبلاد.

ما زال أتاتورك هو الأب الروحي للأتراك ،كما انك تسمع من العامة ،إن سألت، ثناء عاطفيا مشوبا بشيء من (الحنين المرضي) تجاه تجربة الدولة العثمانية، لقد حققت لنا يقول لك محدثك ، بان نكون دولة عظمى في العالم في السابق من التاريخ. يبدو للمراقب الخارجي أن الحنين إلى العصر العثماني ،والتمسك في نفس الوقت بما هو اتاتوركي مناقضان لبعضهما،إلا أن الحقائق على الأرض تجمع ما بين الاثنين، ما يجمعهما في الحقيقة ليس فكرة المدرستين السياسي، ما يجمعهما هو علو فكرة القومية التركية مرة أخرى.

حاول أتاتورك أن يُعلمن تركيا وسارت في هذا المسار ردحا من الزمن، ليس فقط تحويل أحرف اللغة التركية (وهي خليط عربي وفارسي وتركي) إلى الحروف اللاتينية، بل في بداية الأمر حتى الآذان للصلوات الخمس أصبح بالتركية،ولكنه بعد ذلك ،أي الآذان، عاد إلى أصله العربي،وسارت تركيا بعد ذلك تحت مظلة التجربة والخطأ،الحكم العسكري وشيء من الديمقراطية، حتى صح عليها ما صح على غيرها،فهناك قواعد للنهوض لا تكتمل المسيرة بدونها، وهي الإدارة الحديثة والديمقراطية،وهو ما استقرت عليه تركيا اليوم.

ما بقي ولم يستطع أتاتورك أن يزيحه هو الشعور الديني لدى الأتراك،وان كان شعورا قيميا إلا انه في الشكل الخارجي ينتشر بين الفئات المتوسطة،وأيضا العلم العثماني ذو الأرضية الحمراء الذي يتوسطه هلال ونجمة.

في مسيرة تركيا التاريخية يمكن استخلاص بعض التعميميات الأول أن الشعوب لا تنفك من تاريخها ،خاصة التاريخ التراثي والقيمي، وثانيا ليس هناك طريق آخر للتنمية غير الأخذ بما أخذت به الشعوب كافة، الحكم الحديث القائم على المشاركة الشعبية و الحكم الصالح. فمظاهر العولمة الحديثة تجدها في المدن التركية ظاهرة للعيان،من بضاعة ومتاجر وطرق توزيع وإدارة حديثة. وهو الطريق الأكثر فعالية لتنمية يستفيد من ثمارها الايجابية كل قطاعات الشعب.

تركيا الحديثة هي ليست العثمانية ولا الاتاتوركية، تركيا الحديثة هي بلاد تسير في طريق النمو المتسارع وليست علمانية بالمعنى السلبي للمفهوم،الذي يجادل حوله العرب، بل هي بلاد معولمة تعيش عصرها الذي فهمته نخبتها بشكل معقول.

كاتب كويتي