إلى أي مدى تخضع مؤسسة السلطة الأميركية لمعايير الشفافية والمحاسبة التي بدونها لا يكون النظام الديمقراطي نظاماً ديمقراطياً؟

أطرح السؤال بمناسبة نشر تقرير رسمي أميركي رفعت عنه السرية يثبت أن نظام صدام حسين لم تكن له علاقة تعاون مع تنظيم «القاعدة» مما ينقض أحد المبررات الرئيسية التي اعتمدت عليها إدارة بوش في اتخاذ قرار الحرب ضد العراق.

وبينما يعني ذلك أن الإدارة الأميركية ارتكبت جريمة الكذب الرسمي في انتهاك صريح لمعايير الشفافية الديمقراطية فإن مبدأ المحاسبة لم يطبق على أي أحد من كبار مسؤولي السلطة المشاركين في عملية التلفيق.

قبل بضعة أسابيع نشرت وزارة الخارجية الأميركية تقريرها السنوي عن خروقات حقوق الإنسان في دول العالم.

وفي الفصل الخاص بالولايات المتحدة نفسها ورد ذكر المعتقلات السرية الأميركية في الخارج. وفي تعقيبه على المخالفات الواردة في هذا الشأن قال الناطق الرسمي باسم الخارجية الأميركية إن الفرق بين أميركا ودول أخرى ترتكب انتهاكات في مجال حقوق الإنسان هي «أننا ملتزمون بمبادئ الشفافية والمحاسبة».

وتأسيساً على هذا الادعاء فإننا نتساءل: أي شفافية وأي محاسبة والرئيس وكبار مساعديه لا يتورعون عن ممارسة الكذب على شعبهم وعلى العالم دون أن تطال أيا منهم مجرد مساءلة؟

التقرير المشار إليه أعدته وزارة الدفاع الأميركية ونشرته الآن صحفية «واشنطن بوست».

ويقول التقرير إن المعلومات التي جمعت اثر سقوط نظام صدام تؤكد معلومات استخباراتية سابقة جمعتها وزارة الدفاع نفسها ومعها وكالة الاستخبارات المركزية قبل وقوع الغزو الأميركي على العراق في مارس 2003. تلك المعلومات كانت قد أثبتت أن حكومة صدام لم تقم بأية اتصالات مهمة مع القاعدة ،ويقول التقرير أيضا إن استجواب صدام حسين ومسؤولين كبار في نظامه أكد هذا الاستخلاص.

هنا يطرأ سؤال: ماذا فعلت وزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات بتلك المعلومات التي تجمعت لديهما قبل تنفيذ الغزو؟.

لقد أرسل الملف إلى البيت الأبيض. لكن الرئيس بوش وكبار مساعديه تجاهلوا المعلومات الواردة في الملف لأنها تناقض اعتزامهم شن الحرب على العراق بغض النظر عما إذا كان لنظام صدام علاقة عمل مع «القاعدة». وبالطبع فإنهم تجاهلوا أيضا حقيقة أن نظام صدام لم يكن يمتلك أسلحة دمار شامل.

ونعود إلى التساؤل الأصلي: لماذا لا يحاسب الرئيس الأميركي على ارتكاب كذبة كبرى ليبني عليها قراره بشن حرب دخلت الآن عامها الخامس بعد أن كلفت حتى هذه اللحظة مصرع أكثر من 3200 أميركي ومئات المليارات من الدولارات بالإضافة إلى مقتل مئات الألوف من المدنيين العراقيين؟

وفقاً للدستور الفيدرالي الأميركي فان الجهة التي من حقها محاسبة الرئيس هي الكونغرس، ولكن كيف يتسنى للكونغرس استخدام هذا الحق الدستوري وقد أيد قرار الرئيس بشن الحرب على العراق بمبرر أسلحة الدمار الشامل والعلاقة مع «القاعدة» دون أن يطالبه بأدلة؟

ويا لها من ديمقراطية زائفة.