أزمات المنطقة، في أحسن أحوالها، تراوح مكانها. لا تزال تحتفظ بكل عناصر التصعيد المفتوح على احتمالات؛ لا يطاق حتى مجرد تصوّر سيناريوهاتها، من العراق إلى الصومال مروراً بلبنان وحتى الوضع الفلسطيني، وطبعاً الملف النووي الإيراني، الصورة كلها أقرب إلى مشهد «وضع الإصبع على الزناد»، لكن وسط هذه الحالة المتأرجحة بين استمرار النزف والالتهاب وبين الترقب المحتقن، توالت مجموعة إشارات وتطورات ومواقف يجمع بينها خيط مشترك ما يشبه الرغبة في الفرملة، السؤال: هل هي تنتظم في خانة التكتيك لالتقاط الأنفاس: أم في خانة البوادر المرشحة للتفعيل، والتزخيم؟ الذي لا جدال فيه أنها تشكل فسحة مطلوب تطويرها وتعزيز نمطها وترسيخه.
الوضع العراقي، الذي يصعب التكهن بأحواله؛ يشهد تحركات ومخاضات داخلية؛ ربما أدّت إلى توضيح الصورة السياسية الشديدة الضبابية، وربما أيضاً يكون مؤتمر شرم الشيخ، لدول الجوار ومعها الدول الكبرى؛ محطة أخرى جديدة في تدعيم العملية السياسية؛ باتجاه إنجاز المصالحة الوطنية الشاملة، وكانت خطوات معينة قد حصلت مؤخراً ـ مثل إعادة بعض ضباط الجيش إلى الخدمة ـ في هذا الصدد.
في خصوص الملف اللبناني، ليس هناك ما يوحي بحلحلة. الوضع كما يبدو، وصل إلى حالة انسداد، الحوار أعلنت نهايته، الجانب الذي قد يعوّض ـ إذا جاز التعبير ـ أن التصعيد غير وارد على الأقل حتى إشعار آخر، وذلك بمقاييس هذا الزمن، مكسب عدم الانزلاق زيادة في لبنان، مطلب لعل الوقت والمستجدات يكفلان توفير ما قد يؤدي إلى المخرج المنشود.
أيضاً «التوتر الأوروبي ـ الأميركي» مع إيران شهد هو الآخر، في الأيام الماضية حالة من الاسترخاء؛ بالرغم من التباعد السائد، أفرجت طهران عن البحارة البريطانيين الذين احتجزتهم حوالي أسبوعين، بذلك تم تجاوز مشكلة كان من الممكن أن تؤدي إلى غير المرغوب، رافق ذلك وتلاه عودة الاتصال، بعد انقطاع ملحوظ بين طهران وممثل السياسة الخارجية الأوروبية؛ بشأن الملف النووي. أرفقت ذلك إيران بالإعراب عن رغبتها في مناقشة الطرق والسبل التي قد تطمئن الآخرين من سلامة برنامجها النووي، إضافة إلى ذلك تردد أن الوزيرة رايس قد تلتقي مع نظيرها الإيراني خلال مؤتمر شرم الشيخ بشأن العراق؛ أوائل مايو المقبل.
بموازاة هذه التطورات ـ على رمزيتها ـ تبدو طبخة تبادل الأسرى بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، أنها صارت على وشك النضوج؛ وفق كافة التوقعات، وكانت قبل ذلك قد جددت قمة الرياض طرح المبادرة العربية، التي أثارت ردود فعل واسعة حولها.
طبعاً لا تندرج هذه التطورات في خانة الاختراق. لكن حصولها ليس من غير مدلول؛ على تواضعه. التحدي الآن يكمن في القدرة على تطويرها. أو بالأحرى في توفر الإرادة لدفع الأمور في هذا الاتجاه، وذلك له شروطه، التي تشكل المرونة مدخلها والحوار مفتاحها، المطلوب توفرها لدى كافة الأطراف وبالتحديد الطرف الأميركي؛ الذي دأب على اللجوء إلى كافة الخيارات، التي فاقمت الأزمات، على حساب خيار التواصل والحوار، ناهيك بالطرف الإسرائيلي الذي امتهن ليس العداء للتفاوض فحسب بل عرقلة كافة المبادرات التي تعتمده.