بعد 4 سنوات على احتلال العراق، تؤكد الشواهد والأرقام وحركة الأحداث أن الخاسر الأكبر من كل ما جرى هو الشعب العراقي.

صحيح أن هذا الشعب تخلص من نظام قمعي، وتمكن بعد سنوات طويلة من حكم الفرد من امتلاك حقوق كثيرة، وبالذات على صعيد الحريات الفردية والتنظيمية والإعلامية، لكن مثل هذا المكسب أصبح بلا معنى، بعد أن طمرته حالة الفوضى الأمنية والاحتقان الطائفي، والنزوع الواضح لدى أطراف عديدة لإعلاء الرغبة في الانتقام، على واجب بناء الوطن الجديد.

وصحيح أيضا أن الأميركيين، أنهوا بمجرد وصولهم إلى ساحة الفردوس في مثل هذا اليوم عام 2003، وجود نظام قاد العراق لمغامرات خارجية أزعجت الجيران، ومزقت المنطقة، وأهدرت الموارد والقدرات، لكن الوقائع تقول إن غياب هذا النظام صار مع الوقت بلا فائدة حقيقية، فالجيران باتوا مهددين بأخطار جديدة أوجدها الوضع الأمني المتوتر، وعدم قدرة السلطة الجديدة على ملء فراغ ما بعد البعث.

كما أن هدر الموارد لم يتوقف سواء بفعل عدم الاستقرار، أو نتيجة لغياب الشفافية بين أطراف العملية السياسية.

والحاصل اليوم، أن العراقيين الذين حلموا بالخلاص من كابوس دولة العشيرة المتسلطة، قد أفاقوا على مأساة طالت كل مناحي حياتهم، ووضعت وطنهم العريق بتاريخه، والغني بموارده وعطائه، بين خيارين أحلاهما مر ؛ فإما قبول ببقاء القوات الأجنبية وتحمل الأضرار الناجمة عن ذلك، أو رضوخ لرياح التقسيم العاتية وخسارة الوطن نفسه.

إن نظرة واحدة إلى العراق في ذكرى احتلاله تكفي لمعرفة مدى المأساة الإنسانية التي يحياها أبناؤه ؛ فقد صارت الحياة في ذاتها أملاً بعيد المنال، في حين أصبح الحصول على الاحتياجات البسيطة اللازمة للعيش واحدا من المستحيلات بعد أن علا صوت السلاح المدفوع بروح طائفية بغيضة، وبعد أن فشلت كل الخطط الأمنية في منح المواطن العادي أمانا يمكنه من نوم هادئ ولو لليلة واحدة.

المشهد في مجمله لا يبشر بالخير؛ فدماء ما لا يقل عن أكثر من نصف مليون عراقي غالبيتهم من المدنيين، وأعداد اللاجئين التي تتجاوز 2.5 مليون، ومشاهد الدمار في مختلف المناطق، وشيوع حالات الاختطاف على خلفيات طائفية، والهجمات الإرهابية المتعمدة على دور العبادة وتجمعات المدنيين، كلها شواهد تؤكد أن إنقاذ العراق من محنته بحاجة إلى مقاربة مختلفة تكون الأولوية فيها لحماية الإنسان، وتوفير مقومات الحياة الشريفة والآمنة له.