هناك رسائل عندما تصلك تشعر بمأساة من كتبها حتى وان لم تكن تعرفه أو على صلة واتصال به، إذ تعكس تلك الرسائل معاناة أصحابها، وحرجهم من التحدث إليك، وتتمنى عندما تقرأ تلك الرسائل لو تكون لديك القدرة على إنهاء معاناتهم.
مناسبة حديثنا رسالة وصلتني من سيدة مواطنة في إمارة رأس الخيمة، أم لطفل مصاب بمرض التوحد. تقول في رسالتها: «نحن أولياء أمور أطفال يعانون من مرض التوحد. وكما تعلمون فإن درجة التوحد تختلف من طفل لآخر، فمنها البسيط الذي لا يكاد يميز، ومنها المتوسط والشديد الذي يصعب فيه التحكم بتصرفات المصاب بالتوحد بسبب كثرة الحركة والنشاط الزائد والصراخ الطويل بدون أسباب، وإيذاء النفس والغير وغير ذلك من أمور نعاني منها نحن أولياء أمور هؤلاء الأبناء.
لا يعلم بقدر وحجم معاناتنا إلا الله سبحانه، وخصوصاً إذا ما كان ولي أمر الطفل المتوحد من الأسر المتعففة ممن لا يسألون الناس إلحافاً، إذ أن مصاريفهم كثيرة، واحتياجاتهم كبيرة، وحالات غضبهم وصراخهم تخلف مآسي في منازلنا. لدينا أبناء أصحاء إلى الآن ولكن لا استبعد مراجعتهم للأطباء النفسيين بعد فترة لما يشعرون به من إيلام نفسي لا يحتمل من جراء تصرفات وحركات إخوانهم التوحديين سواء بالمنزل أو خارجه.
طفلي التوحدي قليل النوم كثير الصراخ خصوصاً بالليل، وهو ينام مع شقيقه بغرفة واحدة. تصوري المعاناة التي يعانيها لأنني لا أستطيع توفير غرفة خاصة به نظراً للظروف المالية والغلاء الذي يشهده الجميع.
ابني الطبيعي لا يحتمل حالة أخيه المرضية، فصراخه يحرمه النوم، وكتبه ممزقه، وشروده الذهني طويل، وأصبحت رغبته بالتواصل مع أقرانه قليلة خجلاً من دخولهم منزلنا ورؤية أخيه خصوصاً مع حالات هروب طفلنا التوحدي من المنزل.
نعلم جميعاً قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حفظه الله، بالنسبة لأولوية حصول المدرسين على منح وقروض برنامج زايد للإسكان لتوفير المنزل المناسب للمعلم، والمعلم مع تقديرنا له أقل معاناة منا نحن أولياء أمور المعاقين والتوحديين. ونحن بدورنا نتمنى أن يكون لنا الحق والأولوية كذلك في الحصول على منزل مناسب لاحتياجات الطفل المعاق أو المصاب بالتوحد.
نحن راضون بقضاء الله وقدره، ولكن لدينا أبناء آخرون أصحاء لا نريد أن نجعلهم شركاء في المعاناة التي نتحملها وحدنا، لاسيما وأنه لا يوجد في إمارة رأس الخيمة مركز حكومي مؤهل لاستيعاب أطفال التوحد، والمتاح فقط هو مركز خاص دون طموحاتنا، ومركز خيري آخر لم يؤهل تماماً ويستقبل عدداً محدوداً من الحالات، فأين أذهب بطفلي التوحدي ذي الأحد عشر عاماً؟» انتهت رسالة الأم.
ونحن بدورنا نأمل على المسؤولين في برنامج الشيخ زايد للإسكان، وبرامج الإسكان الأخرى أن يمنحوا الأسر التي تعيل أبناءً معاقين أو من ذوي الاحتياجات الخاصة أولوية في الانتفاع بالسكن طالما أننا لم ننشئ مراكز متخصصة وبشكل كاف تعينهم على تربية أبنائهم، فو الله ان هؤلاء الآباء والأمهات يعانون، وبحاجة لأن يقف المجتمع بأسره معهم لأن أبناءهم هم أبناؤنا، وما يؤلمهم يؤلمنا بصورة أكبر.