في حياتنا جميعاً، لحظات مفصلية حاسمة، يجب أن نتوقف عندها لنحسم الأمر ونتخذ القرار، علينا أن نفعل ذلك لأن ترك الأمور في حالة فوضى يعني المزيد من الخسائر والتخبط والغوغائية.. وفي هذه اللحظات لا يتوقف إلا الحريصون والعقلاء وأصحاب الانتماءات الحقيقية، الانتماء للحقيقة وللوطن وللذات.

أما الذين يعتقدون أن الولاء للحقيقة مرادف للمصالح الشخصية الضيقة، فقد اختاروا معاركهم التي تناسبهم وعليهم إكمالها بالطريقة التي تناسبهم أيضا!!

ولأن اتخاذ الموقف الواضح والمحدد هو قمة التقييم العالي لإنسانية الصحافي ولذاته كصاحب موقف ورأي، فإن الأمر عنده يستحق العناء ويستحق الثبات في وجه أصحاب مشاريع التشنيع وصناع حروب الإشاعات والمزايدين على الانتماء للوطن والولاء للحقيقة، مع أن الوطنية والحقيقة لا تحتاجان لمن يزايد عليهما خاصة في مجتمعاتنا التي يتداول الناس فيها مثلاً معروفاً يقولون فيه «نحن عيال قريّة، وكل منا يعرف خيّه»!! وإذن فلنتوقف عن هذا المشروع الفاشل جملة وتفصيلا، فالصحافة والصحفيون لن يستفيدوا من هذه المزايدات أي شيء!

كنت أنوي الرد على أحدهم، لكنني حسمت أمري في اللحظة الأخيرة إعلاء لصوت العقل، ولأن الدخول في المهاترات لا يقود إلا لنفق مسدود سأذكر فقط هذه القصة، كما رواها لي صاحبها الأخ الفاضل «سيف الشريف» نقيب الصحفيين الأردنيين، حيث التقينا على طاولة الغداء الذي أقامه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي تكريما لأعضاء مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية نهاية الأسبوع الماضي، حيث سألته عن رأيه في موضوع رعاية المؤسسات والشركات التجارية لأنشطة جمعيات ونقابات الصحفيين فذكر لي التالي:

يقول الشريف: قررت كنقيب للصحفيين الأردنيين دعوة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني على الإفطار في رمضان الماضي، وكانت سابقة أن تقوم النقابة بذلك حيث اعتاد الملك دعوة فعاليات المجتمع عنده، لكن الملك استجاب مشكوراً للدعوة، وحين علمت الشركات بالأمر تسابقوا للحصول على شرف وضع أسمائهم وبأي شكل خلال الإفطار وكانوا مستعدين لدفع مئات الألوف من الدنانير، لكنني رفضت وحتى لو دفعوا مليون دينار ما كنت سأوافق حرصا على حيادية واستقلالية النقابة عن أي استقطابات أو علاقات تحتمل المساس بمناقبية وأخلاق المهنة!!

أضع هذه القصة الواقعية، البعيدة تماماً عن التنظير والمنظرة أمام من يؤمنون بالعمل الصحفي الواقعي، والموقف جاء من صحفيين ونقابة مشهود لها بمواقفها الوطنية والمهنية التي لا جدال ولا غبار عليها، وكان بالإمكان تقديم المزيد من البراهين لكن المكان لا يتسع للأسف!

كلمة الفصل الأخيرة في هذا الموضوع المثار هي أن من يشتم زملاءه لا يستحق عناء الرد، فلسنا في ساحة روضة أو في الشارع نحن أكبر من ذلك بكثير .. فعيب أن يستخدم البعض كلمات مثل السذج والمدَّعين والجهلة والمنظرين ضد زملائه.. عيب.. أما تشبيه جمعية الصحفيين بسباقات الخيول فهذه قضية أخرى يعجز الإنسان عن استيعابها لأن الصحفي ليس سائس خيول بطبيعة الحال وجمعية الصحفيين ليست إسطبلاً أبدا!!

sultan@dmi.gov.ae