إشارتان متزامنتان تشيران إلى مزيد من التقارب بين سياسات القطبين الأوروبي والأميركي إزاء العالم العربي: الأولى عكستها تصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في بيروت فجاء حديثها عن المحكمة الدولية واستقلال لبنان قريبا بفحواه ومفرداته من الخطاب الدبلوماسي الأميركي، أما الإشارة الثانية في هذا الاتجاه فجاءت في تصريحات لخافيير سولانا المنسق الأعلى للسياسات الأمنية والخارجية الأوروبية التي دعا فيها الدول العربية التي أعلنت اعتزامها دخول النادي النووي أن تتسم مشروعاتها النووية بالشفافية وأضاف:

«هذا قرار مهم للغاية ومن المهم جدا أن يتم ذلك وفقا لمعاهدة حظر الانتشار النووي وطبقا لقواعد اللعبة!» (جريدة المصري اليوم المصرية 2/4/2007).والاشارتان تتزامنان مع منعطف مهم في مسار حملة الانتخابات الرئاسية في فرنسا حيث تحول السجال من برامج المرشحين إلى إصدار أحكام إدانة وصكوك غفران في ضوء موقفهم من «الشيطان»، الذي هو بالطبع أميركا.

**العدو الأميركي

والعداء الفرنسي لأميركا ليس - كما يتصور كثيرون ويشيع البعض - عداءً سياسيا بل ظاهرة ثقافية ضاربة بجذورها في عمق الثقافة الفرنسية الحديثة، وقد تتبعه الكاتب الفرنسي فيليب روجيه في سفر ضخم (600 صفحة) عنوانه:

«العدو الأميركي: أصول النزعة الفرنسية المعادية لأميركا» وكما هو واضح من العنوان فإن فرنسا اختارت ومبكرا جدا أن تعادي أميركا كنموذج حياة قبل أن تختار الوقوف في وجه سياساتها - أو بعضها - ومنذ اختار الأميركيون طريقا لبناء دولتهم لا تتبنى مثل التنوير الفرنسي بل تتعمد الابتعاد عنها والفرنسيون يعتبرونها «الابن الضال» في المعسكر الغربي الذي اختار الانحياز للدين في توقيت كانت فيه مثل التنوير الفرنسي العقلانية تجتاح أوروبا، لكن «الابن الضال» أصبح القطب الأوحد على ساحة السياسة الدولية وبالتالي من الطبيعي أن يستخدم كل رصيد قوته لنشر نمط الحياة الذي تتبناه وهي معركة ثقافية كونية لم تتوقف منذ قرنين تقريبا.

والعلاقة بين الطرفين حافلة بالتناقضات والمفارقات، ففي إطار التنافس الفرنسي البريطاني دعم الفرنسيون الثورة الأميركية وكان تمثال الحرية الذي أصبح رمزا لأميركا هدية فرنسية لم تفلح في فتح أبواب القارة البكر للأفكار التنويرية الفرنسية، ومن المفارقات أيضاً أن فرنسا وأميركا اللتين لم تتواجها عسكريا على الإطلاق تحولا إلى خصمين لدودين، بينما بريطانيا التي كانت «تحتل» أميركا سرعان ما أصبحت حليفها الأوثق ولم يكن المحيط الأطلنطي ليفصل بين الحليفين.

بينما عجز القنال الإنجليزي أن يكون مجالا للوصل بين فرنسا وبريطانيا، ويبقى الدرس الأبلغ في هذه العلاقة المعقدة أن أميركا لم تبد اهتماما يذكر لاستغاثات فرنسية لإنقاذها من غزو نازي وشيك في الحرب العالمية الثانية بينما تدخلت بعد حادثة الهجوم الياباني على بيرل هاربر ليس فقط للانتقام لنفسها بل لإنقاذ بريطانيا التي كانت في حالة إنهاك شديد وكانت تفكر جديا في نقل العاصمة البريطانية بعيدا عن مرمى آلة الحرب النازية الجبارة إلى كندا التابعة للتاج البريطاني.

**صعود «الابن الضال»

ومع تصاعد النفوذ الأميركي عقب زوال النظام الدولي ثنائي القطبية بدأت فرنسا تسعى بقوة لاستعادة أجواء الخصومة الثقافية مع أميركا بأشكال عديدة ثم مني الحلم الفرنسي بتكوين تحالف أوروبي تقوده مع ألمانيا «المحور الفرنسي الألماني» بأمل موازنة النفوذ الأميركي بنكسة، فالدستور الأوروبي الذي كان يتبناه الرئيس الفرنسي شيراك شخصيا واصفا إياه بأنه استمرار لقيم الثورة الفرنسية تلقى هزيمة ساحقة في صناديق الاستفتاء بعد أن خاضت فرنسا حربا ضروسا لمنع الإشارة إلى الأديان السماوية أو ذكر اسم الله فيه!

وشكلت «الديمقراطيات الجديدة» في شرق أوروبا حصان طروادة أميركي في قلب «القارة العجوز». لكن التحول الأهم في السنوات القليلة الماضية كان مشاركة إيطاليا في الحرب على العراق بل سعى رئيس وزرائها السابق بيرلسكوني لإعادة هيكلة الدولة الإيطالية على النموذج الأميركي الفيدرالي. وجاء انتخاب أنجيلا ميركل مستشارا لألمانيا ببرنامج اقتصادي وسياسي ذي ملامح أميركية ليقلص كثيرا دور ألمانيا كشريك محتمل.

**ساركو الأميركي

لكن جرس الإنذار الأقوى الذي حرك شجون الماضي ونكأ الجراح القديمة جميعا كان صعود اليميني الفرنسي نيكولا ساركوزي بسرعة ملحوظة ليكون المرشح الأوفر حظا لدخول الإليزيه وهو معروف بميوله الأميركية حتى أنه أصبح يشار إليه بلقب «ساركو الأميركي»، لكن الأيام القليلة الماضية شهدت ظاهرة ملفتة هي أن المرشحين جميعا وضمنهم ساركوزي بدأوا سباقا للتنصل من «تهمة» الاقتراب من أميركا!.

وحسب جيروم سانت ماري مدير معهد بي.في.اه لسبر الآراء فإن «أي مرشح يعطي الانطباع بأنه يؤيد أميركا يغامر بفقدان مصداقيته ليس في مجال السياسة الخارجية فحسب بل حتى في مشروع المجتمع» حيث ينظر للنفوذ الأميركي كخطر على الاستقلال والهوية الثقافية.

هذه الانتقادات أطلقها الحزب الشيوعي الفرنسي ذي الشعبية الكبيرة والمفكرون اليساريون وكذلك الحركة الديغولية، لكن الجديد في الاتجاه المقابل ظهور تيار بين المثقفين الفرنسيين يندد بالشعور «المناهض للأميركيين» لدى جزء من الرأي العام والنخبة. وفي «رسالة مفتوحة إلى رئيسنا (أو رئيستنا) المقبل (أو المقبلة)» يرى بسكال بونيفاس مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية أن الفرنسيين يعتبرون أن: «سيناريو الموالاة التلقائية للولايات المتحدة لا يمكن أن ينجح»، وفي هذا المناخ تعين على نيكولا ساركوزي التراجع واتخاذ موقف أكثر انتقادا لأميركا بعد أن كان أعلن خلال زيارة لواشنطن أن فرنسا «لا تخلو من العيوب»!

أما سيغولين روايال فترجمت موقفها بالتخلي عن زيارة إلى أميركا، وهو ما علق عليه بيار جياكوميتي مدير عام معهد ايبسوس لسبر الآراء قائلا: «لماذا المجازفة بالذهاب إلى أميركا بما انه ليس ثمة ما تكسبه حقا؟» من هذه الزيارة....الفوائد المحتملة ضئيلة جدا مقارنة بالمخاطر!

الإشارتان الواردتان في بداية المقال لا تعنيان تطابق المواقف الأميركية والأوربية لكنها تعني أن المصالح أصبحت تحكم القرار الأوروبي أكثر من الهوية، وفي المقابل فإن فرنسا انتقلت من طموح مواجهة «نمط الحياة الأميركي» في معركة ساحتها العالم كله إلى الاحتشاد لمواجهة خطر اجتياح أميركي ثقافي/ سياسي لفرنسا نفسها، وعلى إيقاع هذا الخوف تهتز بوصلة الانتخابات الفرنسية بصخب.

والدرس الذي يعنينا كعرب أن الخصومة الفرنسية الأميركية قضية ثقافية في المقام الأول ولن تعني وجود قطب أوروبي يوازن السياسة الأميركية والتعلق بالهجائيات المفعمة بالبلاغة قد يكون ممتعا لكنه في السياسة قد يكون مكلفا جدا، وحالة النشوة التي يتلقى بها مثقفونا التنويريون هذا الخطاب الفرنسي تمنع العقل التحليلي العربي من قراءة الواقع بدقة واستشراف المستقبل ببصيرة.

كاتب مصري