كلما اتجهت أنظارنا ناحية وزارة (التربية والتعليم) شعرنا بأن هناك أزمة؛ أزمة في الوزارة، وأزمة في الميدان، وأزمة في المتعاملين مع الوزارة والميدان. فإلى أي مدى هذا الشعور حقيقي، وهل هناك فعلا أزمة في (التربية والتعليم)، وهل هي أزمة حقيقية أم مفتعلة، وهل يمكن أن تكون أزمة مستعصية على الحل، وأين يكمن الخلل؛ هل هو بين أروقة الوزارة، أم هو في الميدان التربوي، أم هو في المتعاملين مع الوزارة والميدان، أم هو خلل يشترك الجميع في صنعه ويتحملون مسؤوليته، أم أن هناك هوة بين أطراف العملية التعليمية الثلاثة (الوزارة والميدان والمجتمع) يجب ردمها كي نصلح حال التعليم وتستقيم أمور التربية؟

أسئلة ربما تبدو بسيطة في ظاهرها، لكن الإجابة عنها ليست بالبساطة التي يتصورها البعض، لأن في الإجابة عن هذه الأسئلة يكمن تشخيص الداء، على فرض أن الوزارة والميدان معتلان، وأول العلاج كما يقول الأطباء هو تشخيص الداء ليجتهد الجميع بعد ذلك في وصف الدواء، وإن كنا لا نعرف حتى الآن إن كانت المشكلة في تشخيص الداء أم هي في وصف الدواء، لأننا أمام حالة الكل فيها يدعي معرفة الداء، والكل فيها يتصدر لوصف الدواء، كما هو موقف الناس عادة إزاء كل مشكلة أو أزمة.

ما يصدر عن الميدان (ونعني به على وجه التحديد المدرسين والمدرسات ومديري ومديرات المدارس وبعض العاملين في إدارات الوزارة المختلفة والمناطق التعليمية) وما يصدر عن الوزارة (ونعني بها على وجه التحديد القيادة العليا متمثلة في الوزير ومعاونيه) يدل على أن هناك فجوة بين الطرفين، وشعرة مقطوعة أو تكاد تنقطع لكثرة ما يشدها كل طرف ناحيته، وإن كان يجب الاعتراف بأن الطرف الأول (وهو الميدان) مضطر لأن يرخي لأنه الحلقة الأضعف بحكم السلطة التي يتمتع بها الطرف الثاني (وهو الوزارة).

يُرجع البعض سبب التوتر الدائم بين الميدان والوزارة إلى ارتباط الخطط التطويرية المتعاقبة بشخص الوزير ومعاونيه الذين يتغيرون بتغيير الوزير عادة، ذلك أن هذه الخطط تنسف من جذورها بمجرد خروج الوزير من الوزارة. ومعروف أنه قد تعاقب على وزارة التربية والتعليم منذ قيام الدولة وحتى الآن تسعة وزراء، اختلف الكثيرون حول الخطط التي تبناها بعضهم لتطوير التعليم.

واستُقدِم لها الكثير من الخبراء، وصُرفت عليها مبالغ طائلة، ليكون مصيرها أرشيف الوزارة بعد خروج الوزير، وليُقال فيها ما لم يقله مالك في الخمر بعد أن أصبحت يتيمة لا أب لها. وهي نقطة جوهرية تجعلنا نعمل على أن تكون خطة الوزارة نابعة من الإستراتجية العامة للدولة لا ترتبط ببقاء الوزير في منصبه أو مغادرته له.

وهناك من يُرجِع السبب إلى عدم الثقة في الكادر المواطن العامل في مجال التعليم وتهميشه، حتى أن البعض يصل إلى حد اتهام الوزارة بالسعي إلى التخلص من العنصر المواطن إثر شروع الوزارة مؤخرا في مناقشة عملية كسر قاعدة التوطين بين مديري ومديرات المدارس الحكومية بعد أن ظلت ملتزمة بتوطين هذه الوظيفة على مدار السنوات الماضية.

باعتبار هذه الخطوة نتيجة طبيعية لتوجهات الوزارة خلال الفترة الحالية بعد فرض شروط وضوابط جديدة لا بد من توفرها في المعلمين والمرشحين لهذه الوظيفة، من بينها الحصول على الرخصة الدولية لقيادة الحاسوب (ICDL) وشهادة اختبار اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية ((TOEFL بالإضافة إلى تمتع المرشحين لهذه الوظائف بالمهارات القيادية اللازمة.

وهي شروط تصب في خانة تطوير المعلم والقيادات التربوية لولا أن معارضي قرار كسر قاعدة التوطين بين مديري ومديرات المدارس الحكومية يقولون إن الهدف من القرار هو فتح الباب للأجانب لتولي إدارة المدارس، وأنه لا اعتراض لديهم على الأخوة والأخوات العرب الذين أسهموا وما زالوا يسهمون بفاعلية في العملية التعليمية منذ البدايات، وكانوا مؤسسين يشهد لهم الجميع بالإخلاص والريادة.

أما أكثر ما يأخذه البعض على الوزارة فهو الحدة في التعامل مع الأمر وهي تطلب ممن لا يستطيع الحصول على الرخصة الدولية لقيادة الحاسوب وشهادة (التوفل) أن يبحث لنفسه عن فرصة عمل في مكان آخر، غير معترضين على الشق الإيجابي من الموضوع، وهو سعي الوزارة إلى تطوير مهارات المعلمين والمديرين ورفع كفاءتهم، وإشراكهم في دورات ومؤتمرات خارجية على غرار المؤتمر الدولي الذي أقامته الجمعية الوطنية لمديري مدارس NAESB في مدينة سياتل الأميركية مؤخرا.

وشارك فيه إلى جانب الوزير عشرون مديرا ومديرة من مدارس الدولة بغية إطلاع العاملين في الوزارة والميدان على كل ما هو جديد في مجال المعرفة وتقنية المعلومات، والاختلاط بالتربويين لإثراء معارفهم ورفع كفاءتهم كما جاء على لسان معالي الوزير، متمنين أن نستمع من المشاركين إلى الفوائد التي جنوها والنتائج التي حققتها مشاركتهم في هذا المؤتمر كي نبني عليها للمشاركات المقبلة.

والحديث عن الثقة بالعنصر المواطن يقود إلى التطرق لموضوع المناهج ومدى الاعتماد على العناصر المواطنة في تأليفها بعد أن تم إنجاز كتب اللغة العربية للصفوف الأول والثاني والثالث الابتدائي، وكتاب التربية الوطنية للصف التاسع من قبل هذه العناصر التي تشارك بفاعلية وكفاءة في كل لجان إعداد الوثائق وتأليف الكتب، خاصة وأن الوزارة هي أول وزارة تربية وتعليم من بين وزارات الدول الخليجية والعربية تنتج وثائق وكتبا من خلال المعايير ونواتج التعليم منذ عام 1999.

وتبقى قضية المناهج مفتوحة للنقاش، خاصة بعد أن خضعت الوزارة للضغوط التي تعرضت لها فحذفت الكاريكاتير الذي كان يتحدث عن انقراض المواطن من درس التركيبة السكانية في كتاب التربية الوطنية للصف التاسع، وأعادت صياغة درس الشرطي في كتاب التربية الإسلامية، رغم مطالبة الجميع بأن تحاكي المناهج واقع الطالب، وأن ترتبط بمحيطه وما يراه ويسمعه في مجتمعه، وأن تساعده على التفكير والمشاركة في إيجاد حلول لمشكلات المجتمع، والعمل على الارتقاء به وتطويره.

وفي هذا الإطار نتمنى على وزارة التربية والتعليم أن تقوم بإحصاء عدد الخبراء الذين تعاقدت معهم على مدى السنوات الماضية من عمرها لنعرف كم كلفوا الوزارة وماذا قدموا. كما نتمنى عليها لو أحصت عدد الشركات التي تعاقدت معها لتطوير شبكة التواصل بينها وبين المدارس، وهل كانت هذه الشركات تنجز مهمتها أم أنها ترحل قبل أن تكمل عملها لتبدأ شركة أخرى من جديد؟

ليس ثمة من ينكر أن التربية والتعليم مسؤولية كبيرة وثقيلة، ذات أطراف كثيرة ومتشابكة ليس من السهل الجمع بينها على رأي واحد، لكن ثقتنا بالقائمين على العملية التعليمية وإخلاصهم وكفاءتهم تبعث الأمل في نفوسنا للعمل على فك هذا الاشتباك، فليس ثمة من يقف ضد أي تطوير يمكن أن يسهم في خلق أجيال متعلمة وواعية تمتلك القدرة على النهوض بالدولة، شريطة أن يكون للأيدي المواطنة ذات الكفاءة والخبرة دور رئيسي وفاعل في هذا التطوير، للمحافظة على الهوية الوطنية التي ربما لا يعرف الخبراء مدى خوفنا عليها ومعاناتنا مما تتعرض له من إهمال وتهميش، بل وتغييب كامل في مجتمعنا.

لذلك نتمنى على معالي الوزير الدكتور حنيف حسن الذي نعرف مدى غيرته على هذه الهوية، ونقدر حرصه على إحداث نقلة نوعية في مسيرة التعليم، دونما تقليل أو انتقاص من المستوى الذي وصلت إليه على أيدي من سبق إلى هذا الميدان، ومعاليه واحد من مخرجات تعليمهم الذين نعتز بهم وبكفاءتهم.

واثقين من تقديره للعنصر المواطن الذي أثبت كفاءته، نتمنى عليه أن يدعو إلى مؤتمر عام تشترك فيه كل فئات المجتمع ومؤسساته الاجتماعية والأكاديمية، حتى تكون التربية والتعليم مسؤولية المجتمع كله وليست الوزارة والميدان فقط، كي لا يتحول الأمر إلى أزمة مزمنة، ويصبح عقدة تعاني منها كل الأجيال، فتبقى الشعرة مقطوعة لا تجد لها من يعيد وصلها، ولا ينفع معها شد ولا إرخاء حينها.

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com