الكشف عن الحقيقة، مثل الاعتراف بالخطأ فضيلة. خاصة عندما يكون الموضوع على درجة عالية من الخطورة. والأهم في مثل هذه الحالات عندما تكون الحقيقة قد تم حجبها، بنقيض مفتعل ومفبرك لتمرير خطة كبيرة، مثل الحرب على العراق. عندئذ يكون الخطأ خطيئة؛ وتكون الفضيحة من صنف الكبائر، لكن في واشنطن لا يحصل مثل هذا الفضح أو الاعتراف ـ بصورة رسمية أو على لسان مسؤول سابق ـ إلا بعد فوات الأوان. إما بعد أن يترك المرتكب منصبه.
وإما بعد أن يكون قد تأسس على التواطؤ ـ الفضيحة واقع عنيد على الأرض، يتعذر مسحه. الضرر المهلك يكون قد وقع؛ والخطيئة المحسوبة تكون قد حققت أغراضها. وفي معظم الحالات تكررت هذه الواقعة بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط. ربما لأن تعامل واشنطن مع هذه المنطقة تحكمه عقلية الاستباحة.
آخر نموذج كان في التقرير السري الذي كشف عنه رئيس لجنة القوات المسلحة، في مجلس الشيوخ الأميركي، كارل ليفين بخصوص حرب العراق وذرائعها. وقد جاء فيه ـ وهو الذي كان قد أعده المفتش العام لوزارة الدفاع الأميركية ـ إن أحد كبار مساعدي الوزير رامسفيلد آنذاك، دوغلاس فيث، قد تعمد تلفيق معلومات استخباراتية، مناقضة لتلك التي توصلت إليها وكالة الاستخبارات المركزية وغيرها من دوائر التجسس الأميركية؛ فيما يتعلق بنظام صدام وتنظيم القاعدة. حيث نسج معلومات تفيد بوجود علاقة بين الاثنين؛ خلافا لما جاء في تقارير الـ (سي اي ايه) وهو قام بهذه المهمة بناء على طلب نائب الوزير بول وولفويتز وبالتواطؤ معه واستناداً إلى معلوماته هذه، أطلق البيت الأبيض حملته في ذلك الحين تمهيدا للحرب على قاعدة ذريعتين: أسلحة الدمار ـ التي تبين أن العراق كان خلواً منها ـ وعلاقة النظام العراقي بالقاعدة وهو ما تبين لاحقاً انه لا صحة له.
الآن يأتي فضح هذا الأمر وانكشافه رسمياً بعد أن تركوا الثلاثة رامسفيلد وولفويتز وفيث مناصبهم في الإدارة وما كان قناعة سائدة صار ممهوراً بالخاتم الرسمي إلا نائب الرئيس تشيني الذي لا يزال متشبثاً حتى اللحظة وبعد الكشف عن هذا التقرير بموقفه الذي لم يتزحزح عنه. لا شيء يحمله على الاعتراف بفبركة ذرائع تلك الحرب هل لأنه كان احد كبار مهندسيها؟
في كل حال تشبثه يخفي نوعاً من المكابرة. ما جاء في التقرير لا يقوى أحد على نكرانه فهو بمثابة «شهد شاهد من أهله» ويبدو أن ذلك هو بداية الغيث فالسرية التي رافقت إدارة الرئيس بوش خصوصا ديباجة حربها على العراق بدأت أوراق التوت تتساقط عنها. المفتعل لا يقوى على الصمود. نتائجه ـ وفي الحالة العراقية ـ كارثية لا بد وأن ترتد عليه لفضحه.
وخيراً فعلت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ عندما نزعت السرية عن التقرير ولو ان ذلك جاء متأخرا.الأهمية هنا تكمن فيما يشكله الفضح من ردع؛ او لجم فالحروب شر حتى عندما تكون أسبابها مفهومة فكيف بها عندما تكون ذرائعها مفبركة؟