صحيح أنه لم يعد خافياً على أحد وجود هوة سحيقة تفصل بين النظام السياسي الرسمي العربي في معظمه مجتمعاً وكل قطب من أقطاب ذلك النظام على حدة من جهة وبين الرأي العام العربي مجتمعاً وكل شعب من الشعوب المكونة لذلك الرأي العام من الجهة الأخرى، إلا أن تلك الهوة باتت من العمق بمكان بحيث أصبح من غير المسموح على الإطلاق المضي قدماً في حالة الصمت المريبة، التي تعصف بكل مكونات الأمة العربية مجتمعة وكل فرد من أفرادها على حد.
لم يعد سراً على أحد أن النظام السياسي الرسمي العربي في معظمه بمكوناته الهافتة راح منذ زمن بعيد يتخلى عن كل ما يتعلق بحاضر ومستقبل الشعوب التي يمثلها عنوة وبحد السيف لصالح المركز الغربي على اختلاف ألوانه وأشكاله وعلى مر السنوات ومنذ بدأت ملامحه المعاصرة بالظهور إلى العلن إثر موت الرجل العثماني المريض.
ولا نخالنا نقدم جديداً بالقول ان ما أقدم ويقدم عليه النظام العربي ممثلاً بمؤسسة جامعة الدول العربية لا يمثل في أحسن الأحوال سوى سلسلة ممنهجة، ترقى إلى مستوى المنهج والنظام، من التنازل والتراجع والتخلي عن كل ما من شأنه التعبير عن المصالح والاهتمامات الحقيقية للناس.
وما من شك بأن الكثيرين سيتساءلون عما يدفع باتجاه التذكير بهكذا مسلمات صارت تشكل المتن الرئيسي لقاموس المنطقة السياسي- الاجتماعي منذ عقود من الزمن، لكن الحقيقة تكمن في الإجابة عن السؤال التالي: هل تكرار ممارسة سياسية خاطئة ما يعني بالضرورة التأقلم معها إلى درجة اللامبالاة بها ووضعها على رف النسيان؟ وكأنها قدر لا مناص من التسليم به والتعايش معه كما هو أو كما ورد من المصدر .
لكن لو كان الأمر كذلك لظهرت أصوات تقول : إذاً فإن هذا الحديث في غير محله لأنه لا يدور حول الإنسان، الذي يتمتع بنعمة التفكير وبملكة العقل، التي لا تقبل على نفسها الاستكانة أبداً وتبقى تقلب أي أمر من جميع جوانبه وصولاً إلى درجة من الإشباع الفكري لا تتناقض، على أقل تقدير، مع واقع الحياة.
واقع الحال هذا في معظمه لا يحتاج إلى كثير تمحيص ومعاينة حتى يدرك المرء أن النظام الرسمي العربي ما هو بنظام ولا حتى منظومة أصلاً وأن سيد الموقف هو ذلك الواقع القطري المتفشي في زمن العولمة والتكتلات الكبرى، والذي تحرص على إبقائه حياً جميع الدوائر الإمبريالية في العالم، لما يمدها بوسائل تضمن لها استمرار سيطرتها على المكان والإنسان ومقدراتهما.
لا بل إن حالة التردي العربية لم تعد تقف عند حدود الدفاع عن حما تلك القطرية المقيتة وإنما تجاوزت ذلك كثيراً وراحت ترزح تحت وطأة مفردات جديدة كلياً وغريبة بالمطلق عن وعي وضمير الشعوب العربية، حيث يشهد القطاع الأكبر من النظام الرسمي العربي انزياحات حقيقية بكل الاتجاهات سواء كانت فكرية أم جغرافية.
نقطة ارتكاز تلك الانزياحات الهائلة إنما تتجلى، كما يقول المفكر الفلسطيني د.عزمي بشارة، في التكشير عن أنياب ليبرالية اقتصادية متوحشة معادية جملةً وتفصيلاً لأي شكل من أشكال الليبرالية السياسية، مما يمهد، برأينا، إلى فتح بوابة جهنم الطائفية التقليدية، التي تحيل حاضر ومستقبل المواطن العربي إلى أزمنة سحيقة أكل الدهر عليها وشرب، ومما يمهد الطريق أيضاً إلى بروز نخب اجتماعية سياسية مشوهة تفوح منها الرائحة النتنة للطائفية والعرقية والعنصرية، ناهيك بالطبع عن بروز وسيطرة الدولة الأمنية وتهميش مؤسسة المجتمع المدني.
بالطبع، ما كان للنظام الرسمي العربي أن يحقق كل ذلك لولا ما بات يصطلح على تسميته بأزمة البديل أو الأداة، التي لا بد من توفرها لإحداث اختراق ما في جدار ذلك النظام الهش، الذي يمثل نواة الشرنقة الإمبريالية في المنطقة والتي بدونها ما كان لمراكز الاحتكار العالمية أن تستولي على خيرات لا تخصها بشيء وتتلاعب بمصائر البشر.
bassil@albayan.ae