عزيزي.. نعم، الأمور لدينا معقدة، ساخنة ومتوترة للغاية. في نهاية المطاف سيتعين على من استفز الأمور بهذه الطريقة أن يدفع ثمن ما ارتكب. وقبل أن يحدث ذلك فإن أمامنا أعمالا نضالية كبيرة. تابع وسأكتب لك فيما بعد. أتمنى أن تسيروا بمكاسبكم نحو الأفضل.

أضمك، فالنتين كانت هذه الرسالة الالكترونية المقتضبة هي رد صديقي الأوكراني الذي استفسرت منه عما يجري في بلاده. وصاحبنا، فالنتين ياكوشيك، باحث في قضايا التحولات الديمقراطية في كثير من بلدان ومناطق العالم، بما في ذلك الخليج حيث زار بلادنا قبل أقل من عام. أعذر فالنتين لقصرها لأنني أقدر وقته وقلقه، فأوكرانيا الجميلة على شفا حفرة من الفوضى. الجميع مشغولون ابتداء من إعادة قراءة دستور البلاد مرورا بالتفكير في مخرج سلمي من الأزمة وانتهاء بالبحث عن مصادر التزود بالسلاح.

لقد نفذت نسخ الدستور من على رفوف المكتبات. وتعمل المطابع حثيثا على إعادة طبع ملايين النسخ الجديدة منه. ففي البلاد الآن «حرب قوانين» والناس تريد أن تتأكد من الذي يخرق الدستور ويهدد البلاد حقا ؟

الاثنين الماضي، 2 ابريل، أصدر الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو قرارا بحل البرلمان «الرادا العليا» وإجراء انتخابات مبكرة في 27 مايو القادم. في 3 ابريل واصلت «الرادا» أعمالها معتبرة قرار الرئيس تعديا على النظام الدستوري.

وتوجه النواب بطلب إلى المحكمة الدستورية للقول الحق. وكإجراء وقائي حظر البرلمان على الحكومة والمصرف المركزي تمويل الانتخابات المبكرة. وكاحتراز فيما لو أقرت المحكمة قرار الرئيس دستوريا انتخب البرلمان لجنة مركزية جديدة للانتخابات شبيهة بتلك التي ثار حولها الجدل في انتخابات عام 2004 التي تمت إعادتها ليفوز يوشينكو بدلا من يانوكوفيتش. وفي الوقت نفسه قررت الحكومة التي يقودها الأخير وتتمتع بدعم التحالف البرلماني الأكبر الامتثال لقرارات البرلمان.

يانوكوفيتش قال انه إذا لم يلغوا هذا القرار الذي تسبب في دفع البلاد نحو حالة الفراغ القانوني فإن الانتخابات المبكرة ستجرى بالنسبة للبرلمان والرئاسة كليهما. ذلك يعني أن «الرادا» بدورها تهدد بعزل الرئيس يوشينكو الذي علق على ذلك بأن الحكومة لا تستطيع سوى تنفيذ أوامره. ووقع قرارات تقضي بإلغاء قرارات الحكومة والبرلمان «غير الشرعية».

أصبح الرئيس يوشينكو يواجه الوضع التالي: إما أن يسلم بتقلص صلاحياته الرئاسية وإما أن يستخدم القوة لقمع خصومه كما فعل الرئيس الروسي بوريس يلتسين عام 1993. وحقيقة الأمر هي أن استمرار النزاع على هذه الشاكلة بين الرئيس والبرلمان يهدد بانقسام الجيش وتشكيلات القوة الأخرى ويزيد من احتمال المواجهات الأهلية.

اصطفاف القوى في أوكرانيا اليوم أعمق مما يبدو على أنه مواجهات بين الرئيس ورئيس وزرائه. فالتي تقف خلف الرئيس هي ضحية الرئيس نفسه والتي أبعدها عن رئاسة الوزراء لصالح يانوكوفيتش عام 2006.. هي يوليا تيموشينكا التي اشتهرت حول العالم بظفيرتها الشقراء المجدولة والمعقودة فوق رأسها كالعقال عندما كانت تقود «الثورة البرتقالية» عام 2004 والحملة من أجل إلغاء نتائج الانتخابات التي أعلنت يانوكوفيتش رئيسا للبلاد.

ونجحت. هذه المرأة مثيرة للجدل حقا لدرجة أن وصف مراسل التايمز جمالها وقوتها بأنها كالفولاذ غير القابل للصدأ، بينما حذر النائب الاشتراكي ألكسندر بارانيفسكي: «لا يغرنكم مظهر تيموشينكا الهش. إنها توحد في ذاتها وترا ناعما وجزارا في آن». لا غرابة في هذا العداء، فتحالف تيموشينكا المعروف اختصارا بـ «بيوت» والحزب الاشتراكي هما الأكثر تشددا ودفعا بالأزمة إلى أقصى مدى ممكن من منظورين متضادين:

الحزب الاشتراكي يعرف جيدا بأنه إذا أعيدت الانتخابات فسيخسر مواقعه ربما لصالح حلفائه في الحزب الشيوعي وحزب يانوكوفيتش. تيموشينكا التي تقر بأخطائها تعتقد أن الشعب سيغفرها، وأن تجمعها هو الأوفر حظا للفوز ولتوحيد البلاد وإدخالها الاتحاد الأوربي وحلف الناتو بأفضل مما يستطيعه يوشينكو وبعكس ما يفعله يانوكوفيتش للتقارب مع روسيا. وتدعي أن الحزبين الشيوعي والاشتراكي المنضويين في تحالف الأغلبية الأقوى في البرلمان الحالي سيصبحان خارج البرلمان. فبناء على نتائج الانتخابات السابقة تقول تيموشينكا: «نحن الأول في الوسط والغرب، ونحن الثاني في الشرق».

لكن تحولات الفترة الأخيرة تشير إلى عكس ما تقوله تيموشينكا. فخلال الشهر الماضي فقط انتقل 11 شخصا من التحالف الذي يضمها والرئيس يوشينكو إلى التحالف الذي يضم رئيس الوزراء والشيوعيين والاشتراكيين مقتربا بسرعة من الحصول على أغلبية ثلثي «الرادا» ( 300 من 450) الكافية لحشر الرئيس يوشينكو وتحالفه وقراراته في الزاوية.

ولا يضعف من هذا الواقع اتهامات تيموشينكو والرئيس بأن برلمانييهم يتخلون عنهم بسبب إغراءات بمناصب وزارية أو بمال يصل إلى 5 ملايين دولار أو تهديد بالتجريد من المناصب الوزارية. وقد أقدم تحالف تيموشينكو - يوشينكو على حل البرلمان تحت ذريعة شراء الذمم هذا. لكن هذه الظاهرة تشي بفساد وترهل هذا التحالف قبل أي شيء آخر. وبذلك واضح أن قرارات الرئيس لن تنقذ البلاد، بل تأخذها إلى الهاوية. والعملية الجارية اليوم في المجتمع والدولة تشهد على ذلك.

لقد كثف الرئيس جهوده لحشد تأييد رؤساء الإدارات والقوى في المناطق ونجح في كثير منها إلا العاصمة كييف والقرم وسيفاستوبول التي اشتهرت في حرب المقاومة ضد الفاشية الهتلرية. كما أن هيئة رئاسة برلمان القرم والمجلس المناطقي لخاركوف اتخذا قرارات التأييد «للرادا» والحكومة القائمتين. أما الإدارة المحلية في لفوف فعلى العكس وقفت إلى جانب الرئيس مطالبة بالانتخابات البرلمانية المبكرة.

ورغم أن عين بلدان غرب أوروبا على غرب ووسط أوكرانيا، إلا أن هذه البلدان قلقة إزاء الوضع لأسباب ليس أقلها أن 80% من إمدادات الغاز الروسي تصل إليه بالأنابيب عبر أوكرانيا. ولهذا فقد ناشدت مفوضية الاتحاد الأوروبي كافة الأطراف «البحث عن حل سلمي للوضع». وسأل سفراء «الثمانية الكبار» الرئيس يوشينكو عما سيفعله إذا ظل ميزان القوى في «الرادا» بعد الانتخابات على ما هو عليه. الوضع المعقد سيزداد تعقيدا مع استمرار الأزمة. فإذا كانوا في الغرب والوسط لن يعترفوا بالحكومة والبرلمان ففي الشرق والجنوب لن يعترفوا بالرئيس.

يقول الخبير في الشؤون السياسية فيسينكو ان «بين أزمة الشرعية وانهيار البلاد خطوة واحدة». وحذر من أنه قد تقوم في أوكرانيا قريبا حكومتان وبرلمانان.. «وباعتبار أن في أوكرانيا آلاف الأطنان من الأسلحة الروسية غير المستخدمة وخمس محطات نووية (عدا تشرنوبل) وشركات لاستخراج اليورانيوم وجيش مدجج بالسلاح حتى أذنيه وجاران معنيان بالنزاع كروسيا والاتحاد الأوربي فليس لأوكرانيا إلا الشعور بالمواساة».

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com