تشهد العاصمة الاتحادية (أبوظبي) ربيعاً ثقافياً مزدهراً، يؤذن ببدء انطلاقة ثقافية وحضارية جبارة، تهدف إلى تنمية وتطوير العمل الثقافي، وتشجيع الإبداع والاكتشاف في مختلف مجالات الفكر والمعرفة والثقافة والفن، وتقدير العطاء الفكري الهادف إلى جعل الإنسان أكثر إنسانية وإلى أن تكون الحياة مكاناً يستحق أن نعيشه.
ومن يزر (أبوظبي) هذه الأيام، يذهل لضخامة الفعاليات الثقافية وتنوعها، وأنت إذا تجولت في طرقات (أبوظبي) وميادينها، أدهشك ما تراه من إعلانات لأنشطة ثقافية وصورة صحية للمحاضرين المشاركين فيها، تحثك على المشاركة، هناك معرض أبوظبي الدولي للكتاب.
والذي تطور هذا العام (شكلاً ومضموناً)، ليصبح معرضاً دولياً (بحق)، سواء من حيث المكان أو عدد دور النشر المشاركة (400 دار) أو لعدد الشخصيات المشاركة في الندوات والمحاضرات المصاحبة (ألف شخصية)، أو لعدد الكتب المعروضة أو لجهة فضاء الحرية من دون قيود رقابية على الكتاب.
وأنت إذا أسعدك الحظ وزرت المعرض لاستقبلتك وجوه باسمة مشرقة ترحب بك وتريد مساعدتك، إنهم شباب وبنات الإمارات يملأون جنبات المعرض ويقدمون خدماتهم للزوار ـ تطوعاً ـ و(زهور عطائهم يفوح عبيرها في أرجاء المعرض)، حسب تعبير النشرة الإعلامية (خير جليس) ملحق الاتحاد.
ولا أنسى أبداً زيارتي للمعرض في ذلك اليوم البهيج، إذ صادفت توافد أطفال وطلاب المدارس الابتدائية، ما أجملهم وما أروعهم يزحمون طرقات المعرض وأروقتها بصخبهم الطفولي وعبثهم المحبب ودهشتهم البريئة، أياديهم ملأى بمشترياتهم من كتب ومقتنيات دراسة إثر مكرمة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدعم مشتريات الأطفال والشباب وطلاب المدارس والجامعات من معرض الكتاب بما قيمته (3) ملايين درهم، تلك المبادرة التي ثمنها مثقفو الإمارات ورأوا فيها:
فعلاً تنويرياً يؤسس لعلاقة دائمة مع الكتاب، لقد فعلت مشاهد الأطفال وإقبالهم على الكتب فعلها في نفسي، فاضت عيني دمعاً وأعادتني الذكرى إلى أيام الطفولة والمدرسة وتمثلت ببيت شوقي المشهور (ألا حبذا صحبة الكتب... وأحببْ بأيامه أحبب).
لقد قررت (أبوظبي) أن تكسب رهان الثقافة وكل المؤشرات والدلائل تؤكد نجاح (أبوظبي) في أن تصبح عاصمة للثقافة والفنون ومركزاً ثقافياً متقدماً: هناك الإدارة الجازمة وهناك الموارد اللازمة وهناك الكوادر الوطنية المتحمسة وهناك استراتيجية ورؤية ثقافية بعيدة المدى، لقد وقعت (أبوظبي) اتفاقية ثقافية لتشييد متحف (اللوفر أبوظبي) بقيمة مليار يورو، غير إقامة سلسلة من المتاحف في جزيرة (السعديات) منها:
متحف الشيخ زايد الوطني ومتحف الفنون الكلاسيكية والمتحف البحري ودار المسرح والفنون والحديقة البينالية ومتحف غوغنهايم، و(أبوظبي) بصدد تنفيذ مشاريع ثقافية كبرى كتب عنها الكاتب الإماراتي (محمد الحمادي) في مقالة بعنوان (2007، انطلاقة جديدة للثقافة في أبوظبي) تساءل فيها ـ بعد أن رد على بعض المنتقدين ـ من قال إن (أبوظبى) ليس فيها إلا النفط؟! ومن قال بأن أبوظبي لن تستخدم مال النفط لتحويل أرضها إلى مكان يجتمع فيه الفن والثقافة والإبداع وتلتقي فيه الحضارات؟
ولعل أجمل وأصدق ما قاله (الحمادي) في مقالته المهمة (ليس كثيراً على الإمارات التي تضم كل جنسيات العالم وتستوعبها بمختلف حضاراتها، وليس غريباً على أبوظبي التي عاشت دائماً على (حب الشعوب الأخرى) التي زرعها فيها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أن تكون جسراً للتواصل الحضاري، وبوابة لتبادل الحضارات وأن تساهم في تقديم ثروة ثقافية للعالم.
إنها إذن ثقافة حب الآخرين والتي يحاول الإساءة إليها وتشويهها بعض أبنائنا بسبب تشبعهم بثقافة (الكراهية) التي يحاول ترويجها أصحاب الشعارات والمزايدون والمتكسبون عبر الحناجر والمنابر المتاحة لهم، ثقافة حب الشعوب الأخرى ثقافة إنسانية سامية، غرس شجرتها وقام برعايتها الشيخ زايد (رحمه الله) فأثمرت وأعطت وكانت خيراً وبركة على أهل الإمارات والشعوب كلها وها هم أبناء زايد يتعهدونها بالعناية والرعاية حتى تظل مورقة مثمرة معطاءة للجميع، تلك هي الفلسفة والمنطلق في اهتمام أبوظبي بالتنمية الثقافية.
نعم (الخليج ليس نفطاً) كما قال محمد الرميحي من قبل، ومن هذا المنطلق، نقدر ونثمن الجهود الداعمة للتنمية الثقافية في دول مجلس التعاون، الكويت والسعودية والبحرين وعمان والإمارات وبخاصة الجهود الريادية لإعلاء الشأن الثقافي في (الشارقة) والجهود النوعية المتقدمة من قبل (المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث) في قطر ممثلة في ندوات وفعاليات ومهرجان ثقافي مستمر في العاصمة القطرية (الدوحة) كل تلك الجهود الثقافية يجب أن تكون محل إشادة المثقفين لأننا بالثقافة نكسب المستقبل، لأننا بالثقافة نحمي أجيالنا القادمة ونحضهم ضد التطرف، لأننا بالثقافة نستطيع أن نرد على الإرهابيين كما قال سميح القاسم في مهرجان الدوحة الثقافي.
(أبوظبي) تتجمل وتزداد جمالاً في هذا العرس الثقافي الممتد، وتتعدد المشاريع الثقافية، ولعل الجميع تابع البرنامج التلفزيوني الناجح (شاعر المليون) الذي كان من نصيب الشاعر القطري (بن فطيس) وبجدارة، وفي المقابل، أطلقت (هيئة أبوظبي للثقافة) مسابقة ـ أمير الشعراء ـ أول مشروع عربي يرد الشعر الفصيح لمكانته التاريخية، يحصل الفائز الأول على مليون درهم، وهناك الندوة الأكاديمية الدولية حول التعددية الثقافية، تنظمها دار زايد للثقافة الإسلامية وغيرها من المشاريع الثقافية التي جعلت من دولة الإمارات (مسرحاً) لتكريم الفكر الإنساني و(محضناً) للتعددية الثقافية و(معبراً) للتواصل الحضاري.
ولا يتسع المقام لذكرها جميعاً ولكن لا بد من ذكر أبرزها وهو (جائزة الشيخ زايد للكتاب) هذه الجائزة التي نجحت ـ رغم عمرها القصير ـ من استقطاب عدد كبير من المبدعين داخل وخارج الوطن العربي وحظيت بتقدير المحافل العلمية والأدبية والثقافية كما صرح به أمينها العام الأستاذ راشد العريمي قيمة هذه الجائزة مستمدة من مآثر وعطاء الشيخ زايد الإنساني، وهي تشكل نقلة نوعية في مستوى الجوائز مادياً ومعنوياً وتكاد أن تكون (نوبل) العرب إذ تبلغ قيمتها (7) ملايين درهم إضافة إلى جائزة شخصية العام الثقافية (مليون) درهم.
كانت حفلة توزيع الجوائز ممتعة، وكانت من نصيب (7) مبدعين، احتفي بهم وسط أنغام الموسيقى وتماوج الألوان الليزرية والمشاهد المصورة و(زغاريد) وتصفيق الحضور الحاشد.
وكانت كلمة الختام لسمو الشيخ محمد بن زايد، رائعة، لاقت استحسان الجميع، قال فيها: «إن الجائزة تخليد لقيم زايد في التسامح والإبداع» ونعى حالة (القراءة) و(الكتاب) في الواقع العربي موضحاً أن تعدادنا (300) مليون نسمة، وأكثر الكتب رواجاً لا تتجاوز (5) آلاف نسخة، بينما معدل القراءة لا تتجاوز (دقيقتين) في العام!!
وأجمل ما في كلمته قوله «هذا الواقع المؤلم ليس للشرق ولا للغرب علاقة به بقدر ما نتحمل نحن مسؤوليته بأنفسنا بعيداً عن نظرية المؤامرة وشماعة الآخر متمنياً أن يكون إسهام أبوظبي فيها فاعلاً وموضحاً أن ما ترونه اليوم وسواه، هو بداية الغيث، لقد صدق، إنها رهان أبوظبي المستقبلي.
كاتب قطري