الصين على موعد مع المستقبل المرئي، ستكون القوة العظمى الموازية للولايات المتحدة. وحينئذ يتبدل ميزان القوة الدولية.لو صدر هذا الحكم في زعيم صيني لجاز اعتباره ضربا من الدعاية السياسية الرخيصة الموجهة إلى الذهنيات الغوغائية. لكنه استخلاص موضوعي صادر عن واحد من أعظم خبراء الفكر الاستراتيجي في هذا العصر ـ وهو أميركي.

يقول د. هنري كيسنجر إن الصعود السياسي والاقتصادي للصين لا رجعة فيه. وانطلاقاً من هذا الحكم يدعو كيسنجر إلى تعاون بين الصين والولايات المتحدة حتى لا يقع صدام يهدد أمن العالم بين أكبر قوتين متنافستين في المستقبل القريب.

إن مثل هذا القول الفصل يجب أن يؤخذ بأقصى درجات الجدية لدى النخب في الأمة العربية والإسلامية لأنه ينبئ بقيام نظام عالمي جديد قريباً يحيق فيه الخسران المبين بالمراهنين على الولايات المتحدة كقوة عظمى أحادية.

كيسنجر يؤكد على أن صعود الصين حتمي قائلاً: «ليس بوسعنا أن نفعل شيئاً لمنعه.. ويجب ألا نفعل شيئاً لمنعه». ويضيف بلغة استراتيجية: «حين يتحرك مركز الجاذبية من منطقة لأخرى وتصبح دولة أخرى فجأة قوية جداً علمنا التاريخ ان الصراع حتمي. لكن ما علينا أن نتعلمه هو أن التعاون ضروري».

كيسنجر كان يخاطب الأسبوع الماضي طلاب الاكاديمية الصينية للعلوم لكنه بدا وكأنه يخاطبه أيضاً من على البعد مجموعة «المحافظين الجدد» في الولايات المتحدة الذين يتبنون مبدأ «الحرب الاستباقية» عوضاً عن التعاون الدولي، وما كان لهذا الخبير الاستراتيجي المخضرم أن يحذر من الصراع ويزكي أسلوب التعاون لولا أنه يدرك بعين المستقبل ان الولايات المتحدة ستكون حتماً الطرف الخاسر في صراع مع الصين.

نبوءة كيسنجر بشأن صعود الصين ليست فتحاً فكرياً طارئاً وحديث العهد. فقد أدرك طبيعة الأمور ومآلاتها قبل نحو أربعة عقود زمنية عندماً نصح كمستشار للأمن القومي في إدارة ريتشارد نيكسون بأن تضع الولايات المتحدة نهاية حاسمة لمقاطعتها للصين وتتصالح معها.

وقد كان ابتداء من عام 1972 اعترفت الولايات المتحدة للمرة الأولى منذ عام 1949 بالصين «الماوية» وبشرط صيني هو أن تلغي واشنطن اعترافها بتايوان.

الآن بلغ الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة 230 مليار دولار بمعنى أن نفس هذا الرقم يشكل عجزاً في الميزان التجاري الأميركي مع الصين.

هكذا وعلى هذا المنوال تتبلور معالم عالم جديد سوف تحتل فيه الصين مكان القوة العظمى الأولى.. أو على أقل تقدير القوة العظمى الموازية مع اضمحلال القوة الأميركية التي يستنزفها الإنفاق الأسطوري المتعاظم على حروب لا تنتهي إحداها إلا لتبدأ أخرى.

فهل تدرك النخب الفكرية في العالم العربي والإسلامي طبيعة ومسار واتجاه هذا التحول العالمي الكبير قبل فوات الأوان من أجل إرساء مرتكزات لعلاقة استراتيجية تحالفية مع قوة عظمى مستقبلية ليست مرتهنة إلى أجندة الحركة الصهيونية؟