قليلة جداً في تاريخ الولايات المتحدة الحالات التي كانت فيها أغلبية الشعب الأميركي تنتظر رحيل الإدارة الحاكمة، وتعدّ الأشهر والأيام وصولاً إلى الوقت الذي يتم فيه استبدال الإدارة بأخرى أكثر حرصاً على مصالح الولايات المتحدة، ومكانتها، وسمعتها العالمية، والإدارة الحالية من تلك الإدارات القليلة التي ينتظر الأميركيون موعد رحيلها.
هذا الكلام هو في الواقع خلاصة استطلاعات وتحليلات أميركية يتم نشرها في وسائل الإعلام، وآخرها الاستبيان الذي يشير إلى أن نسبة 72% من الأميركيين غير راضين عن أداء إدارة بوش.
السياسيون الأميركيون المخضرمون وعلى رأسهم كارتر وكلينتون وكيسنجر وبيكر وأولبرايت يعزون سبب تدني أداء الإدارة الحالية إلى تسرعها في اتخاذ القرارات، وإهمالها الرأي العام العالمي، ومراكز البحث والاستبيان، تضيف إلى ذلك انزلاق الإدارة كلياً نحو اليمين المحافظ، وتقصيرها في الداخل، وتجاهلها إرادة أغلبية الأميركيين في السياستين الداخلية والخارجية.
والكلّ يتفق على أن من أهم أسباب الهوة القائمة بين الأميركيين وإدارتهم هو إنجرافها في خوض الحرب على العراق دون مسوغات مقبولة، ومن ثم تعريضها حياة عشرات آلاف الجنود الأميركيين لمخاطر شديدة ـ قتل في العراق حتى يوم أمس حسب الأرقام الأميركية 3270 جندياً ـ والحاقها أضراراً بليغة بسمعة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي، وفي العالم العربي والإسلامي بشكل خاص.
وما يؤكد هذه الاستنتاجات، الاستقالات أو الإقالات المتوالية لمسؤولين كبار في مؤسسات الجيش والأمن الداخلي ووزارة الخارجية.وتظل نتائج الانتخابات النصفية الأميركية الدليل الأبرز على ابتعاد الأميركيين عن إدارتهم بهذا الشكل الاستثنائي في تاريخ إدارات البيت الأبيض، إذ حصل الديمقراطيون على أغلبية في مجلسي النواب والشيوخ.
الأميركيون الآن إذن يترقبوا بفارغ الصبر الوقت الذي تغادر فيه إدارة بوش البيت الأبيض، ويرون في ذلك فرصة لإعادة تصويب الأمور دفعة واحدة، بدءاً من نتائج الحرب على العراق، وانتهاء بإعادة المصداقية للسياسة الأميركية الخارجية، وهناك مواقع أميركية على الانترنت تحصي هذا الوقت بالشهر واليوم والساعة والدقيقة والثانية، وأحدها مثلاً يحمل اسم «كابوس قومي».
ومع كل ذلك فإدارة بوش لا تريد الأخذ بهذه الحقائق، وتصرّ على السباحة عكس التيار، وتتمادى في استفزاز الأميركيين، وخداعهم عبر تزوير وقائع الحرب على العراق ومعطيات السياسية الخارجية، دون أن تقتدي بتجارب من سبقها إلى مثل هذه الحالات، وتعلن على الملأ أخطاءها، وتعتذر للأميركيين والعراقيين عن هذه الأخطاء قبل أن يفوت أوان القبول بالاعتذار.