لم يعد العالم العربي يخجل ـ على ما يبدو ـ من توجيه تهمة تقييد حرية الصحافة وحق الحصول على المعلومات فيه حتى صار متعارفاً في هذا العالم أن تنشر التقارير الدولية التي تتهمنا بهذه التهم الخطيرة فنسارع إلى الدفاع عن أنفسنا برد الكرة إلى ملعب الآخرين وتوجيه الاتهام نفسه إلى الولايات المتحدة والغرب

و... وهنا نقول إننا نتفهم أولويات السلطة العربية ونعرف اعتباراتها في مماحكاتها مع النظام الدولي وضغوطاته، لكننا لا نعلم مطلقاً لماذا انتقلت المعركة نفسها إلى أرباب المهنة وقادة العمل الصحافي، حتى صاروا يتنافسون مع النظم الديكتاتورية في التعامل مع حرية الرأي والرأي الآخر بذهنية متخلفة ظلامية تذكرنا بثقافة الصمت في القرون الوسطى حين كان الإعدام جزاء من يجاهر برأي مخالف!!

لقد جاء في إحدى المقالات التي لم أتبين اسم كاتبها هذه العبارة «لقد صار اتهام رجال الإعلام باللا انضباط الذاتي، وبعدم التحسس بالمسؤولية سواء لجهة نشر أخبار جديدة أو لجهة الامتناع عن نشر أخبار محددة أخرى، وسواء لجهة توجيه الرأي العام في هذا الاتجاه أو ذاك، أصبح قاعدة من القواعد المتعارف عليها في المجتمعات النامية، وإن كان التعامل فيها يختلف من مجتمع لآخر».

إن مهنة الإعلام تواجه في المجتمع مشكلة اجتماعية معقدة، وإن معالجة المشكلة تتطلب التعمق في دراسة أسبابها، وإن من أولويات المعالجة رسم حدود المراقبة الاجتماعية، وتحديد المسؤولية العامة والمهنية التي تحكم التعامل مع حق المعرفة، والمسؤولية المباشرة تجاه الرأي العام! خاصة حين يتعلق الأمر باستقطاب الإعلام أو المؤسسة الصحافية لصالح أطراف أخرى سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات خدمية ما يتنافى مع مبادئ وضوابط ميثاق الشرف الصحافي.

إن الطغيان أو الفساد إذا ما انتشر أو تمدد في المجتمع، فإن الناس يعولون على الإعلام وعلى الصحافة تحديداً في التصدي له، وكشف رموزه ومخاطره، لكن حين يكون الطغيان نابعاً من الصحافة نفسها، وضد الصحافة في الوقت نفسه فهذه هي الكارثة،

حين يحمل بعض الصحافيين لواء إسكات الرأي الآخر، وكبت الحرية وقمع المخالفين وعدم السماح لهم بالمجاهرة بآرائهم المشروعة، وحينها لا يصير السكوت مقبولاً ولا مباحاً، بل يصير التسارع نحو لجم الطغيان والتجاوز بكل الوسائل هو الموقف المطلوب!

لقد اعتاد الناس في أوطاننا العربية على أشياء كثيرة حتى ألفوها، فما عادوا بعد ألفتها يسألون متى حدثت؟ وكيف حدثت ولماذا؟ اعتادوا أن يختطف البعض إنجازات الآخرين، اعتادوا أن يختطف البعض أوطاناً ومؤسسات ويسيّروها بمنطق الإقطاعية أو المزرعة الخاصة..

اعتادوا على التعتيم ومصادرة الرأي وحرية التعبير، في بعض أوطاننا صارت ثقافة التهديد شرفاً صحافياً يمارسه بعض أهل الصحافة على زملائهم ومن أوقعه القدر تحت مسؤوليتهم، فكانت النتيجة شيوع ثقافة الخوف والتردد والانصياع للأوامر، أما الكارثة فهي محاولة تكريس ثقافة التطاول وتوجيه الاتهامات ضد من يجرؤ على المخالفة والجهر بالرأي الآخر.

يبدو أن هناك من يحاول أن يجرنا لهذا الواقع الذي نعرفه ونسمع عنه ونقرأ حوله كثيراً في بعض الأقطار، هناك من يريد أن يسير عكس تيار الانفتاح وتوسيع هوامش الحرية في الإعلام والصحافة الإماراتية والتي تصدى لها الدستور أولاً،

ونادى بها صراحة وبمنتهى الشفافية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حين قال: «أعطني حرية أعطك إبداعاً»، وإن من حق الصحافيين أن يكتبوا ما يشاءون طالما كانوا واثقين مما يكتبون، عليهم أن يكتبوا وأن لا يخافوا من أحد.

sultan@dmi.gov.ae