سواء قدمت بريطانيا اعتذاراً لإيران أم لم تقدم ـ كما يؤكد مكتب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ـ فان أزمة البحارة انتهت بسلام، رغم عمليات التصعيد وتبادل الاتهامات والشكوك بين الطرفين قرابة أسبوعين.
أصرت إيران على أن البحارة تجاوزوا مياهها الإقليمية، ونفت لندن إلى آخر رمق هذا الاتهام، غير أن الأزمة كانت متعددة الأطراف، ولم تكن قاصرة على البلدين وكان يمكن لها أن تدخل في مسالك ودروب تتخطى الخلاف بين دولتين بينهما ما يكفي من خلافات في واحد من الملفات الشائكة وهو سعي إيران إلى امتلاك برنامج نووي، يتشكك الغرب في نواياه السلمية.
لقد تابع العالم على مدى نحو أسبوعين كيف قاد الإيرانيون والبريطانيون الأزمة بين شد وجذب، وتصعيد وتهدئة، قبل أن يفاجئ الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الجميع بالإفراج عن البحارة في ذروة المشهد وبعد أن كرم قائد القوات التي اعتقلت الجنود البريطانيين الخمسة عشرة.
أصرت إيران على فتح حوار ثنائي مع بريطانيا التي كانت قد ذهبت إلى مجلس الأمن للحصول على تأييد، وعندما فشلت لجأت إلى الاتحاد الأوروبي الذي أعطاها ورقة معنوية ومطالبة بالإفراج الفوري عن البحارة من دون الاستجابة لتجميد العلاقات التجارية مع طهران، فيما كانت واشنطن تائهة لا تعرف ماذا تقدم، وبعد أن تعالت أصوات بريطانية تطالب بوش بالابتعاد عن الملعب خشية تأزيم الأمور أكثر مما هي عليه،
بعد تصريحات متشنجة من الرئيس الأميركي، ناوش الأميركيون في الظاهر على الأقل، ولكنهم تجنبوا الخوض في غمار الأزمة واكتفوا في نهاية المطاف بالتعبير عن فرحتهم بإطلاق البحارة وعودتهم إلى بريطانيا، لكن الرسالة الإيرانية وصلت إلى البيت الأبيض من دون لبس في الكلمات،
ومفادها الحوار ثم الحوار هو الحل في الملف النووي أو الوضع في العراق وليس التشدد والتلويح بالبوارج أو الصواريخ. وربما يكون اعتراف بوش بأن الأميركيين سئموا الحروب بعد أربع سنوات من غزو أرض الرافدين برهان آخر على أهمية الحوار والاحتكام إلى لغة الدبلوماسية لا رصاصات البنادق.
كما أن إعلان وزارة الخارجية الأميركية أن الوزيرة كوندوليزا رايس لا تمانع في إجراء محادثات مباشرة مع إيران بشأن دورها في العراق عندما تشارك في اجتماع للدول المجاورة للعراق والقوى الكبرى واحد من ايجابيات انتهاء أزمة البحارة البريطانيين على النحو الذي انتهت إليه.
ورغم تأكيد الأميركيين على أن مثل هذه المحادثات لن تتناول برنامج إيران النووي وستقتصر على الوضع في العراق، فان المحادثات في حد ذاتها أفضل من لغة التصعيد التي تطفو حيناً وتخبو حيناً آخر بين العاصمتين.
انتصرت في النهاية الرؤية الإيرانية وجرى فتح حوار مباشر مع بريطانيا، باعتبار أن الحوار أقصر السبل لحل الأزمات الملتهبة، على غرار أزمة البحارة، وهى رسالة إيرانية ليست إلى واشنطن وحدها بل إلى كل أطراف الأزمة النووية، تشدد على أن الحوار هو مفتاح تجاوز الخلافات،
التي لن يقف تفجرها وخروجها عن السيطرة عند حدود جغرافية معينة بل سيكون لها تأثيرها السلبي على الأمن والسلم الدوليين وهو ما لا يود أحد حدوثه.الأمور لا تحتاج إلى عقد صفقات سواء من فوق الطاولة أو أسفلها، فالمطلوب طرح كل نقاط الخلاف على مائدة البحث، بما ينزع فتائل التوتر،
ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم لتجنيب منطقة حيوية من العالم المزيد من الأزمات الساخنة، ولعل ما يجري في العراق أكبر برهان على أن الصراع المسلح ليس حلاً. فبعد أربع سنوات من الاحتلال الأميركي، تتعالى الأصوات من داخل الولايات المتحدة ومن قبل من دقوا طبول الحرب إلى البحث مخرج سياسي.