لم تكن زيارتي الأولى لمصر الكنانة وأنا الأمين العام لجمعية الصداقة معها، لكن معظم الذين كانوا معي يتوجهون إليها للمرة الأولى وهم في أشد الشوق والتوق لرؤيتها وكأنهم يريدون استعادة نصفهم الآخر، من توأمهم الذي فقدوه في لحظة اضطراب أمواج البحر من حولهم ومن حوله بفعل قوم بني إسرائيل.

لا أحد كان يتوقع مفاجأة ما تغير الصورة الجميلة المتبادلة بينه وبين نصفه الآخر «الكفء» له كما كانوا يؤكدون على وصف نصفهم التوأم، فكل ما تصوروه ورسموه في مخيلتهم عن جزئهم «السليب» أو المسلوب منهم في لحظة «تسونامي» بين إسرائيل ليس فقط وجدوه كما كان مصوراً في مخيلتهم بل أجمل وأبهى وأكثر اشراقاً.

حتى قبل ان تطأ اقدامنا أرض الكنانة فقد التقى النصفان في وسط الطريق إليها، جاءت سيدة كريمة من آل مصر ومعها ابنها وأخيها وقالت لي أريد ان أسلم على ذلك السيد الجليل الذي معك، وهي التي بدت تعبر عن عمق اللحظة التاريخية التواقة للتكامل رغم ارتباك الصورة الخارجية،

عندما أضافت: هل تعتقد انه سيأذن لي باللقاء والتقاط صورة تذكارية معه تعيد إلي بعض الذي افتقدته ويحزّ في قلبي من زمان، لم نكن نعرفها من قبل لقد عرفت عن نفسها ونحن متوقفون في مطار دبي، الذي بات محطة الجمع والتواصل والاتصال.. أنا منى جمال عبدالناصر وهذا ابني وذاك أخي خالد، نريد التقاط صورة تذكارية معك يا فخامة الرئيس محمد خاتمي فنحن نحبكم ونحن معكم ونحبك أنت بالذات،

لكننا نحبكم انتم الإيرانيون جميعاً، لا بل نحب فيكم، ولمحتني بنظرة خاطفة لماحة، وقالت لي هل تعتقد انه سيسمح لي بهذه الإضافة؟! فقلت قولي ولا تتحرجي فالرجل رجل الحوار مع «الآخر» وهو الذي طالما مجد فضيلة الاستماع للآخر، قالت نحب فيكم أحمدي نجاد أيضا، أعرف انكم قد تكونون متفاوتين.. لكننا نحبه لأنه ينطق بالكثير مما نريد أن نقوله.

ثم تحدثت عن ذكريات طفولتها ومن ثم عن والدتها «تحية كاظم» التي قالت انها كانت تتحدث الفارسية وهي ذات الأصول الإيرانية التي تعود جذورها لأصفهان وقالت إنها كانت تود زيارة تلك البلدة الجميلة قبل أن ترحل عن هذه الدنيا، فهل تساعدونني في تحقيق تلك الرغبة بالنيابة عنها، وعن روحها، ثم ودعتنا وقلبها يعتصر شوقاً للقاء آخر على أرض بلاد فارس، لتكتمل الصورة البديعة بالتقاء التوأمين مرة أخرى!

لم يكن الأمر مختلفاً بتاتاً عندما دخلنا مصر آمنين، فكل من التقينا به من كبار القوم و.. كبارهم، ومصر كلها كبيرة، وهي مشهورة بأم الدنيا، وكيف لا وهي التي احتضنت ولا تزال العلم والعلماء والحب والأحباء والكرامة والكرماء والنيل الجاري في عروق أهلها والجوار وفي فلسطين القلب النابض، مصر كلها رحبت بنا ورسمت نفس الصورة التي انطبعت في ذهننا في وسط الطريق إليها،

وبألوان مختلفة، فكانت أشبه بقوس قزح تتكامل فيه الألوان لتشكل الجسم الواحد المتكامل الذي نبحث عنه في هذه الزيارة، كلهم كان يعبّر عن هذه الحقيقة بتعابير متفاوتة، ما نحن عليه من مستوى للعلاقات لا يستأهله هذا التوأمان العظيمان، لابد من استعادة «التوأمة» بأي ثمن كان وفي أقرب وقت وزمان،

الرئيس قال ذلك بلغته الخاصة والإمام الأكبر وكبار علماء الأزهر قالوا ذلك وسائر علماء مصر وسياسييها ومثقفيها ونخبها ومحلليها وجمهور الشارع الذي كنا نلتقيه وهو يستعيد ذكريات مصدق ونواب صفوي وما قبلهما وما بعدهما، ولسان حال الجميع يقول: «لا يجوز استمرار المتاركة وحذار من الطلاق ولابد من استعادة اللقاء».

في حضرة الإمام الأكبر والأزهر الشريف.. في جامعته الجامعة لأطياف الأمة ومذاهبها وطوائفها ولا أقول المقربة فقط وهي صاحبة مبادرة التقريب مع توأمها حوزة قم المقدسة منذ أكثر من نصف قرن، في مكتبة الإسكندرية حيث ملتقى الثقافات والحضارات وتلاقح الأفكار،

وعلى ظهر النيل الوادع والوديع وفي عزبة محمد حسنين هيكل ومعه كبار مثقفي مصر وعلمائها وسياسييها وفي حضرة عمرو موسى والجامعة العربية، حيث كان مسك الختام، اتفق الجميع على ضرورة إعادة وصل قطع الصورة الواحدة، والتحام نصفي التوأم بكل ما أوتوا من قوة ومن تدبر وعقل وحكمة ودراية.

إنها لم تكن آمال فقط بل إرادات اجتمعت في قول واحد وعزيمة واحدة وقرار واحد مفاده لا بد من وصل ما انقطع ليس فقط لأنه لا يجوز بقاء تلك «المتاركة» بين النصفين الكفؤين لبعضهما البعض، بل ان التحديات المستجدة وأمورا كثيرة تسبح في عالم يعود إلى الاضطراب من حولنا يتطلب شحذ الهمم لوصل التوأمين.

في جولة الأفق التي خضناها سوية ابتداء من أعماق التاريخ منذ نحو خمسة آلاف عام حتى اللحظة التاريخية الراهنة، منذ عصر موسى وفرعون وهامان وصولاً إلى مصر الكنانة العصية على الإملاءات الخارجية وعلى مؤامرة التهميش أو العزل أو الحصار،

لم نجد أمراً ثنائياً يختلف عليه التوأمان، بل وجدنا أن البحر الذي فرقنا باضطرابه قبل نحو ثلث قرن من الزمان يعاود هو نفسه يستدعينا للوصال من جديد بعصا موسى أو بما استجد من وسائل لحماية القلب وإسناده ودعم أركانه، المهم أن تعود مصر لإيران وأن تعود إيران لمصر، ولا يجوز بعد الآن أن تفترقا مهما عصفت بنا أمواج البحار.

وكما قالت تلك السيدة المصرية الفاضلة والعالمة، أستاذة اللغة الفارسية التي جاءت في اللحظات الأخيرة لتودع صاحب السماحة والحوار والوسطية والاعتدال فخامة الرئيس السابق محمد خاتمي لتقول له: لا أدري ما أهديك وليس لدي سوى الكتاب ففضلت أن أهديك كتاباً يبقى عنواناً في ذاكرة الأيام وكلي أمل أن تعود أنت وإيران إلينا من جديد، وكما يقول المثل المصري عندنا من زار مصر وشرب من ماء نيلها فلا بد له أن يعود إليها من جديد!

لقد كانت لحظة لقاء تاريخية ذهبية جددت فيها الدماء الحارة المتدفقة بين النصفين التوأمين وأيقظت لدى الجانبين جذوة التلاقي وحب الحياة مقابل الموت الذي يحاول أن يزرعه الأعداء في كافة أعضاء جسم وطننا العربي الكبير وعالمنا الإسلامي الأكبر من القلب في فلسطين إلى سائر الأطراف والأعضاء.

لقد أقسم «النصفان» من أعلى قمة الهرم إلى «قاعدته» بحق السيدة زينب ورأس الحسين أن يعيدا المياه متدفقة كما الدماء المتآخية إلى جسم التوأمين بأي ثمن كان وفي أقرب وقت وزمان «وكنسوا» على الأعداء عند السيدة نفيسة بأن لا يسمحوا للقطيعة بينهما أن تطول! .

كاتب إيراني