أن ينهض من حين لآخر كاهن مسيحي في الغرب ليقر بأنه يمارس شيئاً غير أخلاقي فإنها قد تكون حالة فردية ليس من الإنصاف أن تحسب على المؤسسة الكنسية التي ينتمي إليها، ولكن ماذا عن مؤسسة دينية كبيرة تقر بأشياء تتناقض مع رسالة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام؟

في الأسبوع المنصرم نشرت الصحافة الإيطالية ملخصات مطولة لفصول كتاب سيصدر قريباً من تأليف بابا الفاتيكان الحالي بنديكت ينتقد فيه انحراف المجتمعات المسيحية في الغرب عن القيم الأخلاقية التي تبشر بها الديانة المسيحية. ويمتد انتقاد البابا ليشمل الغرب كدول استعمارية غنية «سرقت ونهبت» إفريقيا ومناطق فقيرة أخرى «بلا رحمة» دون أن ترتقي بشعوبها روحياً.

ورغم أن البابا بنديكت انتقد الكنيسة الكاثوليكية نفسها «التي ترافقت أنشطتها التبشيرية في إفريقيا وغيرها مع الحركة الاستعمارية» إلا أنه لا يتوسع كثيراً في تحميل الكنيسة مسؤولية المشاركة في نشوء وتطور ظاهرة التحلل الخلقي التي تنتظم مجتمعات الغرب.

لا أحسب أن البابا ينكر أن النظام الرأسمالي بقيمه المادية أصبح في المجتمعات الغربية بديلاً كاملاً عن الدين كمرجعية أخلاقية نهائية، بل هو يقول شيئاً من هذا القبيل دون استخدام عبارة «الرأسمالية» أو النظام الرأسمالي. فهو يتحدث عن «مذهب فلسفي لعالم بدون وجود الله» كناية عن المذهب الرأسمالي الذي ينطوي على عبارة ضم المنفعة المادية.

وهكذا لم تنفصم مؤسسة الكنيسة الغربية عن تعاليم الرسالة المسيحية كما صدع بها المسيح بن مريم عليه السلام بل إن المؤسسة نفسها صارت مع مرور الزمن جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الرأسمالية. باسم «تقديس الحرية الشخصية» كقيمة عظمى على رأس قيم النظام الرأسمالي دخلت المجتمعات الغربية منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة الإباحية الكاملة.

حينئذ كان هناك ترويج من فلاسفة وكتاب وإبداعيين وسياسيين لتساؤل ذي مغزى: ما الضرر في أن يعيش رجل وامرأة تحت سقف واحد كصديقين دون الحاجة إلى رباط الزواج؟ تلك كانت البداية التي انتهت الآن إلى ظاهرة زواج الرجل برجل والمرأة بمرأة على طريق نسف مؤسسة الأسرة التقليدية.

وبينما لم يتوقف أحد ليتساءل: «أين نحن الآن من مرجعية عيسى بن مريم» ركبت مؤسسة الكنيسة نفسها الموجة حيث ظهر جيل جديد من الكهنة اعتنقوا قيمة «تقديس حرية الفرد» فأصبح هناك كهنة ومؤسسات كنسية تفتي بأشياء منافية للأخلاق.

الآن وبينما ينتقد بابا الفاتيكان علناً ظاهرة الانحطاط الخلقي في المجتمعات الغربية فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه على نفسه هو: كيف يمكن رد الاعتبار لمؤسسة الكنيسة في الغرب دون استعادة المرجعية الأخلاقية الدينية؟

إنه سؤال ضخم بضخامة التاريخ والحاضر. كانت البداية شعار «فصل الدين عن الحكم» الذي يتضح الآن بأثر رجعي أنه كان تمهيداً لفصل الدين عن المجتمع.