القاعدة المتوافق حولها، بداهة، هي أنه عندما يتكلم العلم بلغة اليقين، يصير من الطبيعي واللزومي أن يترتب على الشيء مقتضاه. لاسيما عندما يكون الموضوع من الصنف الحيوي والمصيري، عند ذاك تتحول المعاكسة والمعاندة إلى أذى من الوزن الثقيل ، المرهقة أكلافه وتبعاته، عدم التجاوب يكون وصفة لكارثة،
فكيف إذا كانت المسألة وجودية من نوع المخاطر البيئية الكونية، التي تهدد الحياة وتوازناتها العامة؟ في هذه الحال يكون ركوب الرأس ليس أقل من مجازفة انتحارية. قبل يومين صدر تقرير الفريق الدولي المعني بالتغييرات المناخية.
أكثر من 200 عالم يمثلون أعلى مرجعية علمية عالمية، في هذا الخصوص. التأكيدات التي احتواها عملهم، الذي جاء بحجم 1572 صفحة والإنذارات والأرقام حول الكوارث المرتقبة؛ تبدو أقرب إلى دق ناقوس الخطر، للمرة الأخيرة، الاحتباس الحراري بفعل الإنسان، لم يعد مسألة ترجيح أو تكهن، هو واقع قائم ويشمل كافة بقاع الكرة الأرضية، «من المناطق القطبية إلى المساحات الاستوائية».
التوقعات : «المزيد من الجفاف في مناطق والفيضانات في أخرى». مناطق عديدة منخفضة وجزر كثيرة مهددة بأن تغمرها مياه الشواطئ؛ حيث «من المقدر أن ترتفع حرارة الأرض بين 3 و5 درجات فهرنهايت، في القرن المقبل؛ إذا لم تتخذ الاحتياطات لرد المياه عن هذه المناطق».
ولأول مرة يتعرض تقرير من هذا النوع إلى التأثيرات المناخية على الكائنات الحية ـ حيث 1 من 3 مهدد بالفناء ـ ومياه الشرب والطبقات الجليدية والأحوال الجوية وغير ذلك من التفاصيل؛ التي تضع النقاط على الحروف.
التقرير سيكون بندا على جدول أعمال الدول الصناعية الثماني، في اجتماعها السنوي هذه المرة في ألمانيا، في يونيو المقبل، الولايات المتحدة تعاملت مع التقرير بصورة «بناءة» أكثر من السابق، لكن موقفها بقي من النوع الضبابي، والمتحدث المناخي باسم البيت الأبيض اعترف بأن في التقرير ما يستدعي القلق؛ لكنه زعم أن فيه أيضا جوانب ايجابية لناحية التوقعات الزراعية في مناطق معينة.
الصين ومعها دول أخرى أصرت على «تليين» لغة الملخص عن التقرير، والمعروف أن أميركا والصين والهند ومجموعة أخرى من الدول، اتسمت مواقفها من القضايا المناخية بالسلبية؛ بذريعة أن الخطوات المطلوبة للتقليص من كميات ثاني أوكسيد الكربون وباقي الغازات؛ من شأنها التأثير على النمو الاقتصادي القومي؛
وبالتالي فهي ليست متحمسة لها، علما أن الولايات المتحدة لوحدها مسؤولة عن 25% من التلوث الكوني ـ أوروبا 14% ـ . ومع ذلك استنكفت واشنطن عن الانضمام إلى اتفاق كيوتو. ومعها دول أخرى؛ هي الأكثر تلويثا للفضاء، الاقتصاد يأتي، في حسابها، بالدرجة الأولى.
وليس هذا هو التقرير الأول، الذي يتحدث بلغة الخطر عن الحالة المناخية على كوكبنا، فقد سبقته تقارير كثيرة ومؤتمرات أكثر؛ تقاطعت فيها جميعا، القناعة العلمية بأن السخونة المناخية لم تعد احتمالا فقط، بل هي أمست معنى؛ وأن المطلوب هو العمل على تقليل الخسائر قدر المستطاع.
ركوب الرأس عادة له ثمن كبير، خاصة في هذا الزمن، في السياسة والحروب. والعراق شاهد، لكن بالمقارنة يبقى هذا الثمن معقولا إذا ما قيس بحجم الكوارث التي قد تتسبب بها المعاندة المناخية. كوارث الحروب قابلة للتعويض في مدى منظور. أما كوارث الاحتباس فيلزمها قرون.