ليس من المبالغة في شيء القول بان هناك اتفاقا عاما ليس فقط داخل المنطقة، ولكن ايضا على نطاق واسع خارجها، حول حقيقة ان السلام والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم يبدأ من خلال التوصل الى تسوية سلمية شاملة وعادلة ودائمة للمشكلة الفلسطينية، ولقضية الشرق الاوسط كذلك وعلى نحو يشمل كل الاطراف العربية المتضررة من عدوان اسرائيل في يونيو .1967 فهذا المدخل هو وحده الكفيل باعادة تحريك الركود الذي عاشته وتعيشه المنطقة منذ سنوات عديدة.

وانطلاقا من هذه الحقيقة فإنه ليس من صالح هذه المنطقة، بكافة دولها وشعوبها، ان تستمر عملية تجميد جهود السلام واحتجازها رهينة لرغبة اسرائيل او لرغبات اطراف اخرى لا ترى سوى من خلال مصالحها الذاتية، ومن ثم ترهن او تحاول على الأقل رهن كل شيء بمدى تحقيق او بكيفية تحقيق ما تراه صالحا لها هي فقط بغض النظر عن مصالح الاطراف الاخرى وهي عديدة ومتنوعة .

واذا كانت المنطقة قد تعرضت لعمليات استقطاب حادة خلال السنوات الماضية، والى المدى الذي هدد بالفعل بادخالها في نفق مظلم من الخلافات والمنازعات التي لامست قضايا شديدة الحساسية لشعوب هذه المنطقة خلال الفترة الأخيرة، وما يجري في العراق على سبيل المثال نموذج محزن لذلك، فانه بات من المهم والضروري لصالح دول وشعوب المنطقة، وبنفس القدر لصالح الاطراف الاقليمية والدولية الاخرى المعنية بهذه المنطقة الحيوية، بل وايضا لصالح السلم والأمن الدوليين، ان يتم وبأسرع ما يمكن العمل بشكل جاد وحقيقي من أجل انهاء حالة الاستقطاب التي تضع المنطقة على حافة هاوية عميقة وعلى نحو يهدد بالفعل حاضرها ومستقبل شعوبها.

وبغض النظر عن المواقف والتصنيفات او التلوينات السابقة لهذه الدولة او تلك من دول المنطقة، والتي اتخذت في اطار صراعات النفوذ والمصالح بالدرجة الأولى، فإنه يمكن القول بأن الأيام الاخيرة تشهد حراكا سياسيا نشطا يتجه على نحو واضح وملموس الى حيث يتم تجاوز او على الأقل خلخلة حالة الاستقطاب الشديدة التي سادت على امتداد السنوات الأخيرة.

وفي هذا الاطار فانه بغض النظر عن الجدل بشأن احتجاز البحارة البريطانيين من جانب السلطات الايرانية، وحول الزيارة التي قامت بها نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأمريكي، فإن قرار الرئيس الايراني بالعفو عن البحارة واطلاق سراحهم وعودتهم بالفعل الى بلادهم كان له صدى إيجابي وطيب في مختلف الأوساط والدوائر الاقليمية والدولية، خاصة وان هذا القرار لم يؤد فقط الى انهاء التوتر الذي صاحب هذا الأمر وتحقيق الأهداف الايرانية - وفقا لما اعلن في طهران - ولكنه حمل كذلك رسالة هامة الى العالم وهي ان الجمهورية الإسلامية الايرانية لا تبحث عن التصعيد مع الاطراف الدولية الأخرى وانه يمكنها بالفعل الاسهام في الحد من التوتر في المنطقة .

من جانب آخر حملت زيارة بيلوسي ومحادثاتها في العاصمة السورية ما يمكن اعتباره مؤشرا هاما لرغبة سوريا في السير على طريق السلام بما في ذلك التفاوض مع اسرائيل، وهو أمر تتزايد أهميته خاصة في ضوء الموقف العربي الجماعي الذي أكدته القمة العربية الاخيرة التي عقدت في الرياض بشأن المبادرة العربية للسلام.

وبالرغم من المواقف السلبية التي اعلنتها الحكومة الاسرائيلية، حتى الآن على الاقل، الا انه يمكن القول بأن هناك بالفعل ما يمكن وصفه بتحرك عملي نحو انهاء حالة الاستقطاب التي عانت منها المنطقة على امتداد السنوات الماضية وبأشكال عديدة.

واذا كان من الطبيعي ان يمر وقت غير قليل حتى تنتهي حالة الاستقطاب الحاد هذه، فانه من المأمول ان تؤدي التحركات الأخيرة والبدايات المشار اليها الى الحد من التوتر في المنطقة وفتح الطريق أمام خطوات جادة وقادرة على حل المشكلة الفلسطينية ومشكلة الشرق الأوسط كذلك وبما يمكن شعوب المنطقة من صنع حاضرها ومستقبلها على النحو الذي تريد.