فرّغت الإدارة الأميركية نفسها عدّة أيام لرصد وإحصاء ما ترى أنّه أخطاء قاتلة ارتكبتها السيدة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأميركي.
الخطأ الفادح الذي لا يُغتفر كان قرار السيدة بيلوسي الجريء زيارة سورية وفتح حوار معها، إذ لا يجوز في عُرف إدارة الرئيس بوش لمسؤولة أميركية على هذا المستوى الرفيع، زيارة سورية وتقويض جهود جبّارة بذلتها الإدارة الأميركية لسنوات خلت، بغية عزل سورية ومحاصرتها ومعاقبتها.
لذا انبرى أركان الإدارة الأميركية للتصدي المسبق لقرار بيلوسي وحاولوا منع الزيارة قبل حدوثها، ربما لخشيتهم من أن تكتشف المسؤولة الأميركية حقائق ووقائع كان يخفيها فريق المحافظين الجدد عن الرأي العام الأميركي، وعن الكونغرس، وتكبر فضيحة هذا الفريق الذي وصل إلى مركز اتخاذ القرار في أعظم وأقوى دولة في عالم اليوم بكذبة «كومبيوترية»، ومارس سياسة الحروب، استناداً الى أكاذيب «بشرية» معدّة بإحكام، لكنّها ما لبثت أن تساقطت كأوراق الخريف.
ولأنهم فشلوا في إفشال الزيارة على الرغم من كل الضغوط التي مارسوها، فقد أرادوا تزويد بيلوسي، وتزويد الوفد الكبير المرافق لها «بأوراق ثبوتية» مزوّرة تثبت مواقفهم وسياساتهم المعادية لسورية من جهة، وتؤكّد أن سورية عنصر مشاغب في الشرق الأوسط يسهم في قتل الأميركيين في العراق من خلال سماحه بتسلل الإرهابيين عبر الحدود، وأنّه يعرقل الجهود الرامية إلى صنع تسوية سلام جديدة على المقاس الإسرائيلي، بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وأنّه أيضاً يتدخّل في الشؤون الداخلية اللبنانية، وأنّه يؤوي الجماعات الإرهابية، والأهم أنّ هذا العنصر المشاغب معادٍ للسلام.
وكم كانت صدمة الإدارة الأميركية كبيرة عندما لم تنفع تلك الأوراق الثبوتية في إقناع بيلوسي ومعظم أعضاء الوفد المرافق لها، بل كانت الصدمة أشدّ عندما أعلنت بيلوسي من دمشق أنّ سورية تريد السلام فعلاً.
هل يحقّ لرئيسة مجلس النوّاب الأميركي أن تكسر إرادة البيت الأبيض، وتزور دولاً تضعها الإدارة الأميركية على القائمة السوداء؟ وهل يجوز أن تعبّر هذه السيدة التي تمثّل الشعب الأميركي الذي انتخبها عن مواقف تناقض السياسة الرسمية للولايات المتحدة، حتى لو كانت هذه السياسات تقوم على الأكاذيب؟.
في عرف إدارة بوش والمحافظين الجدد الذين يتبجحون بكلمات براقة عن الحرية والديمقراطية، لايجوز لأحد في العالم أن يعلن موقفاً مهما كان صغيراً وهامشياً إذا تعارض مع السياسة الرسمية الأميركية.
لذا، كان البيت الأبيض بالمرصاد للسيدة بيلوسي. وكما انتقد زيارتها لدمشق انتقد بشدة تصريحاتها التي قالت فيها: إن سورية تريد السلام وتسعى من أجله. كان على السيدة بيلوسي أن تكذب وتقول: إن سورية لاتريد السلام، على عكس ماسمعت من مواقف سورية وماتيقنت منه.
وكان عليها أن تلتزم «العقيدة السياسية» لإدارة بوش القائلة: «اكذب.. اكذب حتى يصدقك الآخرون» وهي العقيدة التي سارت عليها هذه الإدارة منذ اللحظة الأولى لاحتلالها البيت الأبيض وحتى اليوم.
لو فعلت بيلوسي ذلك لنالت بركة السيد بوش وأركان إدارته وعصابة المحافظين الجدد، التي ترسم السياسات الأميركية والتي نرشحها لنيل جائزة الاوسكار في الكذب والخداع والتضليل واغتيال الحريات العامة والخاصة والديمقراطية.
عجيب أمر هذه «الشلّة» التي تحكم الولايات المتحدة وتتحكم برقاب العالم والبشرية فهي ـ أي الشلّة ـ تتشدق بالحرية والديمقراطية، وتشن الحروب المدمرة ضد الشعوب، بحجة الرغبة في نشر الديمقراطية، في حين تريد كمَّ أفواه من يقول كلمة الحق، حتى لو كان هذا القائل هو رئيسة مجلس النواب الأميركي.
البيت الأبيض غاضب من ممثلة الشعب الأميركي، لأنها قالت الحقيقة، وأعلنت أن سورية تريد السلام. هل كان عليها أن تقول: إن سورية تريد الحروب وتمارس الإرهاب، حتى تحظى بثقة السيد بوش والآنسة رايس وحفنة المحافظين الجدد؟ وهل صارت كلمة الحق تهمة يعاقب عليها قانون المحافظين الجدد بأشد العقوبات؟
ودعونا نسأل: هل سترفع إدارة بوش قراراً إلى مجلس الأمن الدولي لمعاقبة وعزل وحصار السيدة بيلوسي، على اقترافها عدة جرائم دفعة واحدة؛ منها معارضتها للحرب على العراق، وزيارتها لسورية وإعلانها الصريح أن سورية تريد السلام؟
فعلاً أثبتت لنا إدارة بوش أنها لاتخجل، ومن لايخجل يفعل أي شيء في وضح النهار، ويحاول تزوير الحقائق وتزييف التاريخ والكذب على الأميركيين والعالم، وينصب محاكم التفتيش حتى لأرفع المسؤولين الأميركيين، إذا هم تجرؤوا وكسروا إرادة المحافظين الجدد، تجار الحروب والدمار وأعداء الحق والعدل والسلام.
ندرك أن السيدة بيلوسي قادرة على الدفاع عن نفسها ومواقفها وقناعتها باقتدار، لكننا نخشى عليها من سهام البيت الأبيض والخارجية الأميركية، ومن أكاذيب جديدة قد تلفّق لها، وفي الوقت نفسه نخشى على الحقيقة من الضياع، مادام الكذب أصبح سياسة رسمية لدولة عظمى، ونخشى على الديمقراطية والحرية من مقاصل أعداء الحرية والديمقراطية والمتاجرين بهما.
لكن مايدعو إلى الطمأنينة والارتياح؛ أن ممثلي الشعب الأميركي باتوا اليوم أكثر دراية بالحقائق وبالكوارث التي تجلبها إدارة بوش للولايات المتحدة والأميركيين.. والعالم.