ينعقد في العاصمة القطرية اجتماع ممثلي البلدان المصدرة للغاز المقرر لبحث امكانية تأسيس اطار دولى يضم منتجي ومصدري الغاز الطبيعي على غرار منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك».ومن المتوقع أن تكون روسيا وإيران وقطر والجزائر وفنزويلا من مؤسسي هذه المنظمة.

ولم يكن مستغربا أن تنتقد واشنطن ويهاجم الاتحاد الأوروبي مشروع تأسيس«أوبك» للغاز،لأن وجود هذا الإطار الدولي لابد وأن يؤثر على سبل تسويق الغاز في الأسواق العالمية، وهذا التأثير سيكون ايجابي بالنسبة للمنتجين، وسلبي بالنسبة للمستهلكين.

وكانت جريدة «الفاينناشيال تايمز» قد نشرت تقريرا أعده خبراء اقتصاديون في الناتو منذ عدة شهور، حذر من ما يسميه ب«أوبك الغازية»، ويعتقد الخبراء أنها ستضم الجزائر وقطر وليبيا وروسيا وبلدان آسيا الوسطى وإيران، ولم يستبعد انضمام كل من موريتانيا ومالي وبعض بلدان إفريقيا الوسطى في مرحلة لاحقة.

وكانت موسكو قد أعلنت منذ سنوات مضت أن أسباب فشل مفاوضات مصدري الغاز الطبيعي مع المستوردين، تعود إلى أن هذا المفاوضات تجرى بشكل منفصل دون وجود إطار أو مظلة تجمع المصدرين والمنتجين لحماية مصالحهم، مما يضعهم تحت رحمة احتكار المستهلك.ويسود اعتقاد في الأوساط السياسية الروسية بان سياسة تحرير أسواق الغاز في الاتحاد الأوروبي لم تؤد إلى المنافسة المنشودة، إذ لم يظهر مصدرون جدد في حين تم دمج مزيد من شركات الطاقة بهدف إحكام قبضتها على السوق.

وقد دعا رئيس لجنة الطاقة في البرلمان الروسي فاليري يازيف إلى تشكيل إطار يوحد منتجي ومصدري الغاز لحماية مصالحهم، واعتبر أنه سيكون أكثر نفوذا وتأثيرا من منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك». ولابد من الاعتراف بان سياسة استيراد الغاز الأوروبية لا توفر الإمكانية لتنفيذ مشاريع استثمارية ضخمة لحقول الغاز الشمالية وحقول الغاز في بقية دول العالم، ذلك بسبب تركيز المستورد الأوروبي على العقود قصيرة الأجل، والتى لا تمكن المنتج من وضع خطط لاستثمارات طويلة الأمد في قطاع الغاز والبنية التحتية لقطاع نقل الغاز.

ويعتبر منتجو الطاقة الروس أن الاتحاد الأوروبي يلعب في سوق الغاز دور احتكار مستوردي الغاز، الذي يجبر البلدان المصدرة على انتاج الغاز وتسويقه بقوانينه ولتحقيق مصالحه الخاصة دون مراعاة مصالح المنتجين، مما يفرض على المصدرين تأسيس احتكار لمصدري الغاز على غرار منظمة أوبك (احتكار المنتج). وقد لقيت فكرة الدفاع الجماعي عن مصالح منتجي الغاز تأييدا ليس فقط في روسيا ودول الفراغ السوفييتي المستخرجة للغاز،

وأنما أيضاً من الجزائر وليبيا وقطر والعراق وإيران والبحرين وبروناي، ويشكل إجمالي انتاج هذه البلدان أكثر من 19% من إنتاج الغاز العالمي .مما سيمنح الاحتكار الجديد لمنتجي الغاز القدرة لسيطرة على ثلثي سوق الغاز والتأثير بفعالية على الأسعار، وسيؤدى لظهور قوة جديدة في مواجهة القوة الأوروبية في أسواق الغاز العالمية،

بحيث يصعب منع التصادم بينهما. ويؤكد الباحثون الاقتصاديون أن الاتحاد الأوروبي لا تتوفر لديه أدوات للضغط على منتجي الغاز، إذ يصعب عليه الامتناع عن استيراد الغاز من روسيا ودول الفراغ السوفييتى، بسبب عدم وجود بدائل تغطى احتياجات الدول الأوروبية.

من المعروف أن هدف منتجي الغاز الروس الاستراتيجي هو أن تبيع الغاز إلى المستهلك الأوروبي بشكل مباشر دون الاستعانة بالجهات الوسيطة، لزيادة عائداتها على كل ألف متر مكعب من 290 دولاراً إلى 500 دولار. وهو ما يثير قلق الدوائر الأوروبية،

خاصة بعد أزمة شركة(غاز بروم) مع الحكومة البريطانية، عندما أقدمت شركة «غاز بروم»،على توسيع أعمالها في أوروبا الغربية، عبر شراء شركة(سنتريكا)البريطانية التي تزود 6, 12 مليون مستهلك، وتبلغ حصتها في أسواق تسويق الغاز للمستهلكين حوالي 60%، كما تغطى 15% من احتياجات المؤسسات الصناعية والتجارية البريطانية، ويقدر رأس مال الشركة بحوالي 18 مليار دولار،

إضافة إلى أنها تمتلك مليون منشأة صناعية بالطاقة ومحطات كهرباء في بريطانيا وبلدان أوروبية أخرى. وقد تمكنت هذه الشركة من الدخول إلى الأسواق الأميركية في عام 2000، وحققت أرباحا وصلت إلى 6,2 مليار دولار أميركي عام 2004. وقد أثارت مساعي (غاز بروم) فزع الحكومة البريطانية، من امكانية سيطرة شركة أجنبية على مفاصل الاقتصاد الوطني، مما دفعها لتعديل قانون بيع الشركات الصادر عام 2002، إضافة مواد تمنحها حق إلغاء او تجميد صفقات بيع الشركات في قطاع الطاقة، التي قد ترى فيها مخاطر أو تهديد لمصالح بريطانيا.

ويعتبر رئيس جمعية الغاز الروسية رئيس لجنة الطاقة في مجلس الدوما الروسي فاليري يازيف وجود احتكار دولي للغاز من أهم أهداف السياسة الروسية، باعتبار أنها دولة مصدرة للغاز، ولحماية أسواق الغاز العالمية من نشوب صراعات على موارد الطاقة، وأضاف يازيف أن اوبك الغاز ستكون إطاراً دولياً منوطا به تحديد قواعد عادلة لتجارة موارد الطاقة وتعتمد على القوانين والمبادئ الاقتصادية.

إلا ان الوضع لا يخلو من عقبات، حيث تفيد دراسات العديد من المختصين بأن إنتاج شركة «غاز بروم» سيبلغ ذروته عام 2010 ليصل إلى 560 مليار متر مكعب سنويا، ثم سينخفض إلى 500 مليار متر مكعب عام 2015. مما يعنى أن روسيا ستواجه نقص في الغاز رغم أنها تملك أكبر احتياطي للغاز في العالم يزيد عن 47 ألف مليار متر مكعب. وذلك بسبب عدم توظيف شركة(غاز بروم) لاستثمارات جديدة في تنمية صناعة الغاز. ويبلغ حجم نقص الغاز التي ستواجهه روسيا خلال السنوات المقبلة بأكثر من 4 مليارات متر مكعب.

وقد حذر جيرمن جريف وزير الاقتصاد والتنمية منذ شهور مضت من مخاطر تعرض روسيا لنقص في إمدادات الغاز الطبيعي خلال الفترة 2007 ـ 2009، بل كشف عن وجود عجز في إمدادات الغاز منذ أواخر عام 2006.

هذا الوضع سيؤدى لانخفاض حجم صادرات الغاز الروسي بنسبة 5, 3%، مقابل ازدياد احتياجات البلاد إلى 5%. ولم تؤكد شركة(غاز بروم)صحة هذه البيانات، باعتبار أنها مازالت تقوم بتجميع البيانات حول إجمالي الإنتاج السنوي، وإنتاج الحقول الجديدة الذي يمكن توريده للأسواق المحلية والعالمية.

إلا أن عدم تقديم بيانات محددة من(غاز بروم) لحجم الغاز الذي سيطرحه الاحتكار النفطي الروسي في الأسواق المحلية والعالمية، يرتبط برفع أسعار الغاز الذي يتم تصديره إلى أوروبا ودول الفراغ السوفييتي السابق، مما يجعل الاحتكار النفطي غير قادر على تحديد حجم تصدير الغاز الروسي خلال العامين المقبلين، باعتبار ان بعض عقود التصدير قد تقرر زيادة أسعار الغاز فيها إلى الضعفين أو إلى ثلاثة أضعاف.

هذا الوضع يكشف عن حاجة روسيا لتأسيس الاحتكار الدولي للغاز، حتى تحافظ على وضعها في أسواق الطاقة الدولية، بالرغم من تقلص حجم إنتاجها، حيث يعتبر الخبراء أن وجود تنسيق بين المصدرين، يقضى على المنافسة المدمرة بينهم والتي تحتد بدعم من مستهلكي الغاز الأوروبيين، لتحقيق مصالحهم. وستمكن كافة المنتجين من حماية عائدات تسويق الغاز من تحكم احتكار مستهلكي الغاز، في نفس الوقت الذي ستضمن فيه توفير احتياجات المستهلكين بشكل مستقر، ووفق قواعد تجارة موارد الطاقة العالمية.

خبيرة في الطاقة ـ روسيا