بعد خمس سنوات من التجاهل الأميركي والأوروبي غالبا والرفض أحيانا لمبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت العربية والتي تستند على القرارات الدولية 242 و338 و194 وتقوم على أربعة قواعد هي الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وعودة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس في مقابل تحقيق السلام والتطبيع الكامل عربيا مع إسرائيل.

وبعد الهجوم العدواني الإسرائيلي على مخيم جنين والضفة الغربية الفلسطينية، بعد ساعات من إصدارها ردا عليها وقبل أن يجف حبرها،رفضا للدعوة العربية التي أجمعت على المبادرة طريقا للسلام، وبعد محاولات الالتفاف عليها وإجهاضها بمشروع «خارطة الطريق» الأميركي الذي تبناه مجلس الأمن الدولي بالقرار رقم 1515 عام 2003،

انطلقت فجأة موجة من التصريحات والتحركات الدولية والإقليمية بدأتها المبادرة الثلاثية لإسبانيا وإيطاليا وفرنسا في مؤتمر عقد عام 2006 برئاسة رئيس الوزراء الإسباني «ثاباتيرو» في ذكرى مرور 10 سنوات على مؤتمر مدريد الذي أقر مبدأ «الأرض مقابل السلام» في محاولة لمبادرة تميز الموقف الأوروبي عن الموقف الأميركي لكن أميركا تجاهلتها وبريطانيا عارضتها وإسرائيل رفضتها.

وركزت الأفكار الرئيسية للمبادرة الثلاثية على ضرورة إيجاد حل عاجل للصراع العربي الإسرائيلي خوفا من انفلات الأوضاع في الشرق الأوسط، وإعادة إحياء مبادرة السلام العربية باعتبارها تشكل أساسا للحل المطلوب، والتخلي عن سياسة الخطوة خطوة بعدما أضرت بثقة الأطراف في إمكانية تحقيق السلام والتوجه نحو الحل النهائي، ومطالبة الاتحاد الأوروبي بالتحرك بمبادرة للسلام نتيجة تقاعس التحرك الأميركي بسبب مأزقي العراق وأفغانستان.

لقد نبعت هذه المبادرة من قناعة ـ صحيحة على أية حال ـ بأن الأوضاع القابلة للتفجر في الشرق غير قابلة للانتظار، وأنه ما لم يتم التحرك بسرعة على طريق الحل لتحقيق السلام فإنه لا مفر من انفجار حرب إقليمية جديدة بين الأطراف المتصارعة حول فلسطين.

وبعد التجاهل والرفض والمعارضة فوجئت شعوب المنطقة في الشهور القليلة التي سبقت قمة الرياض العربية بسيل من التصريحات والتحركات البريطانية والأميركية والإسرائيلية على التوالي تتكلم عن ضرورة إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط بعد إعلان العرب على لسان «عمرو موسى» عن وفاتها، والتحرك بصفة أساسية لتحريك المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية للتوصل إلى حل وليس إلى الحل، ولإشادة الجزئية والانتقائية بمبادرة السلام العربية.

واعترى المراقبين العرب نوع من الدهشة لهذا الاكتشاف الفجائي بعد سنوات لوجود مبادرة عربية بعد أن أجهضت واشنطن ولندن وتل أبيب من قبل تحركات الجامعة العربية واللجنة العربية المشكلة من 11 دولة عربية لعرض بنود المبادرة على دول مجلس الأمن وفى مقدمتها أميركا والدول الأربع الكبرى.

وجاء «توني بلير» إلى المنطقة بضجة إعلامية تحت لافتة «إحياء عملية السلام» في ظل حالة من الجمود والاحتقان وتفجر الأوضاع، وتحرك بلير بين تل أبيب ورام الله وأدلى بكلام كثير في لندن وعاد دون أية نتيجة أو خطوة إلى الأمام، مجرد كلام حول السلام، ومجرد ضجيج من دون طحين. ثم جاءت «كوندوليزا رايس» بعد ذلك أربع مرات إلى المنطقة تحت نفس اللافتة «إحياء عملية السلام»، جاءت وذهبت من دون نتيجة، وفى المرة الثالثة والرابعة وكنوع من الخداع البصري جمعت بين «محمود عباس» و« إيهود أولمرت» من دون نتائج.

وأدلت بكلام كثير في كل مرة قبل وبعد وأثناء كل زيارة سواء في واشنطن أو في تل أبيب ورام الله، ولكنه بالنسبة لفلسطين كان مجرد كلام يستهدف التلويح بأفق بعيد للسلام ولكن على المدى البعيد وليس الآن. غير أن اللافت في زيارتيها الأخيرتين أنها جمعت وزراء خارجية ثماني دول عربية وصفتها واشنطن «بالاعتدال» ولا أدري ما إذا كان ذلك يعني أن الدول العربية الأربع عشرة الباقية يمكن وصفها «بالاعوجاج» أم لا؟!

إلا أن أبرز ما شهدته الزيارة الأخيرة التي جالت فيها «رايس» على الدول الحليفة لواشنطن في المنطقة، وكان سابقة غريبة في العلاقات الدولية هو استدعاؤها لرؤساء أجهزة الاستخبارات في أربع دول عربية أسبغت عليها وصف «اللجنة الرباعية العربية» لاجتماع لم تعرف تفاصيله بعد!! ثم اجتمعت في أسوان «باللجنة الرباعية الدولية» حيث طالبت حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية بوقف مقاومة الاحتلال والاعتراف بإسرائيل والالتزام بالاتفاقات السابقة كشروط لرفع الحصار، في ظل تحفظ روسي وتمايز أوروبي عن الموقف الأميركي بما يصب في صالح الموقف العربي.

لكن الجديد المهم هو إعادة اكتشاف المبادرة العربية ولكن بالمقلوب من جانب رايس وأولمرت، بينما «بان كي مون» يزور المنطقة مع الغزل المخادع للمبادرة العربية بالتوازي والتبادل والتكامل وبالدعوة للتطبيع بين العرب وإسرائيل قبل بدء التفاوض أو التسليم بالحقوق، مما يعنى التضليل وتفريغ المبادرة من مكوناتها وأولويات تطبيقها بوضع العربة أمام الحصان.

وكذلك بالدعوة لتعديل المبادرة أو القبول بها «لتحرك دبلوماسي أكثر نشاطا»، مع مطالبة العرب بتقديم عربون كمقدم الثمن لشراء الوهم الأميركي، وأساسا للتفاوض إما بغير نتيجة وإما بغير نهاية، كما عودتنا الخدع الأميركية والمراوغة الإسرائيلية السابقة من مدريد إلى أوسلو إلى كامب ديفيد وشرم الشيخ.

وكان رد القمة العربية إزاء هذه التصريحات يتمحور في نقطتين: التمسك بالسلام كخيار استراتيجي. والتمسك بالمبادرة العربية دون تعديل والعمل على تفعيلها، وتكليف لجنة لإقناع إسرائيل بها. وفي ذات الوقت كان أولمرت يفاجئ الجميع برفض المبادرة أولا ثم يتحايل عليها، وهو بكل تأكيد سمع قبل المبادرة بجميع قرارات الشرعية الدولية الواجبة التنفيذ، كطريق وحيد لتحقيق السلام وبدونها فإن الموقف لا محالة سوف يتجه إلى التفجر.

لكن الباعث على السخرية حقا هو محاولته المكشوفة لقلب الطاولة ولتشتيت الانتباه ولمحاولة التذاكي بغباء واضح لوضع العربة أمام الحصان من جديد بالدعوة إلى اجتماع لقمة عربية يحضرها هو ليسمع لهم، وكأنه لم يسمع بعد.. وليسمعوا منه، وكأنهم بحاجة لسماع مراوغات إسرائيلية جديدة لم يعد الموقف العربي قابلا لاحتمالها.

والسؤال هو.. هل يصلح أن يبقى خيار السلام هو الخيار الاستراتيجي العربي الوحيد حتى من دون إرادة للسلام القائم على العدل من جانب إسرائيل المدعومة أميركيا؟

وهل يمكن أن يكون مثل هذا الخيار الوحيد قابلا للتأثير في طرف لا يريد السلام ويعتمد على القوة في محاولته لفرض الأمر الواقع على العرب من دون أن يكون الخيار الاستراتيجي العربي للحرب قائما أيضا إذا كان هذا الطرف لا يقبل باليد العربية الممدودة بمبادرة تقبل بأقل مما تستحق وتعطيه ما لا يستحق؟ وألا يبدو هذا السلام مازال بعيدا عن مرمى البصر في ظل قصر النظر السياسي الأميركي الإسرائيلي الذي أفقدهم ثقة شعوبهم؟

وفي ظل غطرسة القوة معا برغم تهاوي أوهام القوة الأميركية في العراق وأفغانستان، وفضيحة القوة الإسرائيلية في جنوب لبنان؟ تلك التي يمكن أن تتهاوى أكثر وأكثر إلى حد الكارثة إذا ما دفع هذا القصور السياسي والغطرسة العسكرية إلى ارتكاب الحماقة التاريخية الكبرى بالعدوان على إيران.

وفي النهاية.. أليس الفشل الأميركي في العراق وأفغانستان، والفشل الإسرائيلي في لبنان، هو الدافع الأول للهروب إلى الأمام بالتلويح بالعدوان على إيران تشبثا بأوهام القوة العسكرية؟ تلك الأوهام التي لم تفلح على مدى سنوات في إنهاء حرب واحدة بدأتها بدليل استمرار خسائرهما المادية والبشرية والمعنوية على أيدي المقاومة الشعبية ضد العدوان حتى الآن في كل مكان من فلسطين إلى لبنان

ومن العراق إلى السودان ومن الصومال إلى أفغانستان وأليس الهدف الأميركي الإسرائيلي بتقسيم وبتوريط العرب للمشاركة معهما في حرب عدوانية ضد إيران سواء بالمشاركة أو بالتواطؤ أو حتى بالصمت عن رفض سياسات العدوان؟ انه هدف كل الألاعيب البهلوانية والتصريحات الخداعية والمشاهد المسرحية الفجائية التي نشهدها الآن.

من تلويح بتحرك نحو سلام عربي إسرائيلي لتخدير الجبهة الفلسطينية، بهدف تهدئة الجبهات العراقية واللبنانية ولعزل سوريا وإيران، ومن غزل انتقائي زائف للمبادرة العربية للسلام دون القبول بها، ومن تحرك اختياري جبري أميركي وأوروبي نحو سوريا التي أصبحت بترابطها الوثيق مع كل من تركيا وإيران، ومع المقاومة الوطنية في فلسطين ولبنان رقما صعبا في معادلة القوى في المنطقة، بهدف فك ارتباطها بإيران لضرب إيران أولا ثم لضرب سوريا ثانيا.

لكن العرب الذين تعلموا من دروس العراق الكثير ودفعوا الثمن الكبير من كذب الكذابين وخداع المخادعين أعداء العرب والمسلمين لن يبتلعوا الطعم مرة أخرى، فقط إن كانوا يقظين.. ولن يلدغوا من نفس الجحر مرة أخرى، فقط إن كانوا مؤمنين.

فهل ما يجري الآن من تصريحات وتحركات هو فعلا بداية عملية سلام؟ أم هروب إلى الأمام؟ أم نوع من الأوهام؟ أم بداية خبيثة لضرب العروبة والإسلام، بتعريب الصراع مع الصهيونية وأسلمته بتقسيم العرب إلى معتدلين ومعوجين؟ انهم يهدفون إلى تقسيم المسلمين بين شيعيين وسنيين، وعرب وفرس، وأكراد وتركمان، لمحاولة فرض الاستسلام والإذعان على الجميع.. أم هذا كله مجرد كلام في كلام ؟

وأخيرا.. إن العرب مسلمين ومسيحيين دعاة سلام وليسوا طلاب حرب من أجل الحرب، ولكن يجب البقاء مستعدين كجنود حرب إذا فرضت الحرب لفرض السلام، القائم على العدل لأعلى الأمر الواقع بالعدوان، ليكون المجد لله في الأعالي وبالناس المسرة وعلى الأرض السلام. فالسلام.. أحب أسماء الله إليه وتحية الإسلام..

سلام الحق والعدل والحرية.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmai.com