عندما ينال أي أجنبي مقيم في فرنسا الجنسية الفرنسية حسب الأصول والقوانين النافذة يتلقى من رئيس الجمهورية رسالة ترحب به ك«مواطن في البلاد» وتؤكد على أنه يتمتع بجميع الحقوق وعليه كل الواجبات التي يتمتع بها جميع المواطنين الفرنسيين. بالطبع هذا «المواطن» لا يعود مهاجرا مهما كان أصله أو معتقده أو لون بشرته.

لكن هذه الأيام وفي خضمّ الحملة للانتخابات الرئاسية التي ستجري دورتها الأولى يوم 21 أبريل القادم، يبرز الحديث عن «الهجرة والهوية الوطنية» الفرنسية، بل ويصبح هذا الموضوع أحد المحاور الرئيسية للمرشحين الرئيسيين.

نيكولا ساركوزي، مرشح اليمين الأوفر حظا للفوز بين مرشحي معسكره، كما تدل جميع استطلاعات الرأي، بل والمرشح الذي تضعه هذه الاستطلاعات نفسها في «المنصب الرئاسي» نتيجة الدورة الانتخابية الثانية «الحاسمة» أمام أي منافس آخر، وضع في برنامجه للحكم «إذا فاز» تكريس وزارة تحمل اسم «الهجرة والهوية الوطنية»، لماذا هذا الربط بين «الهجرة» و«الهوية الوطنية»؟!

من المعروف أن جان ماري لوبن، زعيم حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف كان قد جعل من موضوع الهجرة والمهاجرين المحور الأساسي لجميع حملاته الانتخابية على مدى العقود الثلاثة الاخيرة وعلى جميع مستوياتها الرئاسية أو التشريعية أو البلدية.

ولم يتردد في القول أن حل مشكلة البطالة المستشرية منذ سنوات في فرنسا يكمن بكل بساطة ب«ترحيل» المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية كي لا يسطوا على فرص العمل و«يأكلوا خبز» الفرنسيين «الأصليين». بل لم يتردد في إعلان غضبته و«خجله» من واقع أن نسبة كبيرة من أعضاء الفريق الوطني الفرنسي لكرة القدم هم من أبناء مهاجرين، وحتى لو كان اسمهم زين الدين زيدان أو ليليان تورام.

هذا «مفهوم» من لوبن الذي يجاهر بإيديولوجية العنصرية ويضع سلّما لتراتبية الذكاء على أساس اللون والعرق. ولكنه «غير مفهوم» أن يتم ربط الهجرة بالهوية الوطنية من مرشحين يرفعون لواء «الحرية والمساواة والإخاء» أي الثالوث الذي جعلته الجمهورية الفرنسية رمزا لها.

إن تعبير «الهجرة والهوية الوطنية» يعني في عمقه أن الهجرة والمهاجرين خطر على الهوية الوطنية. هذا فضلا عن أنه تعبير يحمل الكثير من الالتباس. فأية هجرة وأي مهاجرين: هل هم الإيطاليون الذين قدموا بموجات كبيرة في مطلع القرن العشرين أم البرتغاليون والاسبان الذين جاؤوا بعدهم أم المهاجرون من أصول عربية - مغاربية ضمنا- والأفارقة السود؟ ثم إن مفهوم الهوية الوطنية نفسه في غاية التعقيد، ذلك أنه يرتبط بمفهوم أعم وأشمل وأعمق وأصعب تحديدا هو مفهوم الأمة.

مفهوم الأمة هذا ظهر في أوروبا ثم في العالم بالمعنى الحديث في بدايات القرن التاسع عشر. وفي نهايات ذلك القرن، وتحديدا في عام 1882 أكد الفيلسوف الفرنسي الشهير أن الأمة هي في عمقها إرث وإخلاص لـ «الأشياء العظيمة التي حققناها معا ورغبة تحقيق أشياء أخرى أيضا» على حدّ قوله ورفض تماما المفهوم العرقي وحتى اللغوي كأساس للأمة بينما ركّز على الاعتراف بالارث الواحد وبرغبة العيش المشترك.

كان رونان يقصد أولا وأساسا، الأمة الفرنسية التي تكمن عبقريتها، تاريخيا في قدرتها على أن تجمع تحت لواء «الهوية الوطنية» مواطنين ينتمون إلى أصول وتقاليد ومعتقدات متنوعة. ولم تقبل أبدا قيام «الهوية الوطنية» على أساس «نقاء العرق».

ولم يبخل الفرنسيون من أصول مهاجرة بالمقابل في تقديم كل ما لديهم، جسدا وعقلا، للبلاد التي يحملون هويتها، نعم هناك «هوية وطنية» فرنسية وهي تقوم على التنوع أولا وأخيرا. والقول أن الآخرين، المهاجرين، وما يعني في الخطاب الانتخابي الراهن الفرنسيين من أصل الهجرة، يشكلون «خطرا» على الهوية الوطنية إنما هو الخطر بذاته، لأنه يخفي مفهوما يقول بتقسيم المجتمع على أساس الطوائف والأصول والمعتقدات، تماما مثلما كان فعل النظام النازي في ألمانيا بقمعه لليهود ولمجرد أنهم يهود. وإنهم قد «يدنسون» الهوية الوطنية الألمانية «القائمة على العرق الآري العظيم».

إن الغيورين على الهوية الوطنية الفرنسية ينسون أن الهوية نفسها مفهوم متحرك متطور. وعندما يتم تحديدها مرّة واحدة وللأبد فإن هذا قد يعني نهايتها. الحضارات التي انغلقت على نفسها بادت، هذا ما تقوله دروس التاريخ . الإنسان نفسه يتأقلم والشعوب تتأقلم مع المعطيات الجديدة، وفرنسا عليها أن تعتز بمهاجريها لأنهم يرفدونها بدم جديد هي بحاجة حقيقية له أمام تهديد خطر شيخوخة السكان الماثل في الأفق القريب.

ثم لماذا التنبه من خطر الهجرة حصرا على الهوية الوطنية بينما هناك مكامن خطر، حقيقية هذه المرّة، تفرضها العولمة الزاحفة على الطريقة الأميركية وما يمكن أن يسمّى ب«الغزو الثقافي الأميركي» الزاحف عبر التلفزيون والسينما ونمط الاستهلاك وغير ذلك من مظاهر «الأمركة» التي تتسلل إلى الحياة اليومية للفرنسيين ـ ولغير الفرنسيين ـ بل وإلى صياغة وعيهم. «الهوية الأوروبية» الموحّدة يمكن أن تشكل «تحديا» للهويات الوطنية لمختلف بلدان القارة القديمة.

النزعة الفردية المتعاظمة التي لا ترى «الهوية الوطنية» إلا عبر منظار المصلحة الخاصة يمكن أن تكون مصدر خطورة ايضا. هذه الأمور كلها التي ناقشها مفكرون فرنسيون كبار من زاوية ما تحمله من «تهديدات» على الهوية الوطنية هي أكثر خطرا على هذه الهوية من «حفنة» من المواطنين ـ المهاجرين في بلادهم. مع التذكير، مرّة أخرى، أن الهجرات المتتالية «الناجحة» كانت رافدا أساسيا في صياغة الهوية الوطنية الفرنسية القائمة على «التنوع» السموح و«قبول الآخر».

ثمّ إن الحديث عن «الهجرة والهوية الوطنية» يحمل خطر «الانزلاق» نحو خطاب عنصري ذي نكهة استعمارية تعيد إلى الذاكرة أسوأ أشكال الاستبعاد. ما «يطمئن» قليلا هو أن استخدام مثل هذا الحديث اليوم يعود لأسباب انتخابية واضحة فالفرنسيون هم على أبواب اختيار رئيس جديد لهم. وبالتالي «الغاية تبرر كل الوسائل».وللأمانة ايضا تنبغي الإشارة إلى أن اصواتا كثيرة في فرنسا نددت سريعا بالربط بين الهجرة والهوية الوطنية.

الهجرة ليست خطرا على الهوية الفرنسية، لكن هناك في واقع الأمر أزمة سياسية تخص الهجرة في فرنسا. وهذه قضية لها أبعاد ثقافية واقتصادية وسياسية وسوق عمل وبطالة تجعل «فرنسا غير قادرة على أن تستقبل كل بؤس العالم»، كما عبّر ذات مرة ميشيل روكار، رئيس وزراء فرنسا الأسبق.

وهناك أيضا «أزمة» تخص الفرنسيين من أصول مهاجرة، ولنقل بصراحة عربية وإفريقية سوداء، في فرنسا اليوم. ولكنها أزمة لا علاقة لها بالخطر على «الهوية الوطنية» وإنما بالبون الشاسع بين تأكيد الدستور الفرنسي على مساواة جميع الفرنسيين في الحقوق والواجبات وبين الواقع.

إذ وبعيدا عن هذا النص الدستوري العادل والرائع تقول الأرقام شيئا آخر. لقد دلّت دراسة ميدانية أجراها المكتب الدولي للعمل أن الشركات والمؤسسات الفرنسية استبعدت في 80 بالمائة من الحالات، مع وجود نفس المؤهلات، المرشحين على أساس ما توحي به الأسماء أو بلدان الأصل. هنا يوجد «خطر» .ويبرز السؤال: هل الشاب الفرنسي «من أصول مهاجرة» والذي يحمل بطاقة هوية ويتوجه إلى صناديق الاقتراع بعد أيام ليختار مرشحه للرئاسة هو مواطن... أو غير مواطن؟!

الهوية الوطنية تحمل الوعد بمستقبل أفضل بالنسبة لمن يحملونها، وإلا فإنها تفقد الكثير من معناها. ولماذا إذا كان الوعد هو التهميش؟ هنا «مربط الفرس». الدفاع عن الهوية الوطنية، نعم. لكن أية هوية وطنية!

كاتب سوري ـ باريس