قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أنتجت بعض النظم العربية منظومات قانونية لمواجهة ما رأت هذه النظم أنه إرهاب. وكان هذا الإنتاج القانوني والإعلامي إعلاناً بأن بعض أجزاء العالم العربي يعيش تحت وطأة حالة عامة من التهديدات الإرهابية، وسعت تلك النظم إلى تصدير رؤيتها عن الإرهاب إلى غيرها من دول العالم، تارة عبر الدعوة لمؤتمر دولي للإرهاب، وتارة عبر الطرق الدبلوماسية والأمنية لمطاردة من تراهم إرهابيين. وهكذا دشنت هذه النظم اعترافاً عربياً أمام العالم بأن الإرهاب يعيش فوق أراضيها وخارجها.

كل ذلك تم عربياً ودولياً دون وجود تعريف محدد للإرهاب، ولذا فشلت هذه المساعي العربية في إقناع الغرب ـ آنذاك ـ بتسليمها من تراهم إرهابيين، لأن الغرب رأى فيهم معارضين سياسيين. لكن النتيجة الحتمية أن تلك النظم العربية رسخت عملياً في الذهن الغربي والعالمي حالة الإرهاب العربي،

وان هذا الإرهاب يتم عملياً باسم الدين الإسلامي دون غيره، لأن خصوم هذه النظم كانوا يحملون توجهات ذات طابع إسلامي، وسواء كان ما فعلته تلك النظم تم عن حق أو عن باطل فإن تهمة الإرهاب، جرى تداولها دولياً تحت لافتة عربية وإسلامية، لذا لم تكن أميركا والغرب في حاجة إلى أي جهد دعائي أو سياسي لتوسيع رقعة الاتهام بالإرهاب ضد كل ما هو عربي ومسلم بعد أحداث سبتمبر، فالأرضية الدولية تم حرثها عربياً قبل الحادث بسنوات كثيرة.

اليوم وفي إطار توظيف المناخ الدولي لصالحها، تعيد هذه النظم طرح نفس منظومتها السابقة ولكن عبر تزوير الدساتير، وذلك في سابقة تعد الأولى على مستوى كل دساتير العالم، وكأن مثل تلك النظم التي ساهمت في تشويه كل ما هو عربي ومسلم تسوغ لنفسها داخلياً وعالمياً ما سبق أن انتهجته، وتبدي إصرارها على توسيع التهمة ومساواتها مع حق المواطنة، فأنت إرهابي لمجرد كونك عربياً، وبذلك تترسخ التهمة وتتقنن فتصبح الحياة كلها تحت مطارق أجهزة التنصت وتسجيلات الفيديو.

إن ما تفعله هذه النظم العربية تجاه تعميم تهمة الإرهاب بما تسنه من قوانين ومواد مزيفة دستورياً يشرعن كافة الاتهامات الأميركية ضد العرب والمسلمين على كل الصعد، خاصة مع إرسال فرق الموت لقتل واختطاف من تعتبرهم واشنطن إرهابيين، أو حينما تنتهك سيادة تلك الدول تحت نفس الذريعة، بل وعندما تضغط واشنطن لاتخاذ إجراءات عقابية بحق من تعتبرهم مناهضين لها أو لإسرائيل،

وهكذا تقدم هذه النظم العربية مسوغات قانونية ودستورية تسمح للقوى الكبرى بالعبث في أمورها الداخلية واستقلالها الوطني، بل وتقدم مبررات لما تفعله الآن أميركا في معتقل غوانتانامو وما سبق وفعلته بأبوغريب، لأن ما تقدمه هذه النظم من صورة للخارج هو أن الإنسان العربي لا يعيش إلا منتهك الحقوق، لذا فلا غرابة ان فعلت به ذلك أي دولة أخرى، فتهمة الإرهاب ستكون حاضرة دائماً لتبرير كل الذرائع بداية من اختطاف المواطن وحتى احتلال الوطن.

لقد تم غزو العراق من جانب أميركا تحت ذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل يخشى وقوعها في يد قوى الإرهاب، كذلك تم غزو أفغانستان.. تحت ذريعة محاربة الإرهاب. وذات الحجة كانت موجودة عند فرض الحصار على الشعب الفلسطيني فور نجاح حماس في الانتخابات، وهي اليوم تستخدم ضد سوريا لأنها تساعد المنظمات الفلسطينية، وضد الصومال، ولا مانع غداً من استخدامها ضد مصر أو ليبيا أو الجزائر أو غيرها، فلم يعد أحد بمأمن من تلك التهمة حتى الأنظمة التي تظن أنها صديقة لواشنطن، وتظن أنها ترضيها عندما ترمي شعبها بأكمله بتهمة الإرهاب، وتوقع الجميع تحت مقصلة تنتظر إشارة الانطلاق.

إن ما تفعله هذه النظم عبر توريط شعبها قانونياً ودستورياً في تهمة الإرهاب يساهم في استقواء الغرب علينا حضارياً وثقافياً وإعلامياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، ويضعنا كشعوب في أدنى سلم المواطنة عالمياً، ولا أدل على ذلك مما يجري للعرب والمسلمين من اهانات في مطارات أوروبا وأميركا، وذلك بفعل تراخي هذه الحكومات في حماية مواطنيها.

وفي هذا الجو الغربي المشحون بالعداء ضد العرب والمسلمين في مقابل التراخي الرسمي العربي والضعف الشعبي العربي لا يمكن الفصل أيضاً بين الاهانات التي توجه للإسلام وللرسول الكريم عن كل هذه الأجواء، كما لا يمكن الفصل بين اعتداءات إسرائيل ضد المسجد الأقصى وبين انتهاك حقوق العربي داخل وطنه.

لو أن هذه النظم العربية تصرفت حيال الإرهاب بربع ذكاء إسرائيل لجنبت نفسها وشعوبها شروراً كثيرة، فإسرائيل التي قامت على الإرهاب ولا تزال توظفه لخدمة أمنها القومي ترفض الاعتراف بأنها تعاني من الإرهاب الداخلي «الإسرائيلي» وتزعم أنها تعاني إرهاباً خارجياً وتتهم الفلسطينيين به كي تنكل بهم، حتى عندما تم اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين تعاملت إسرائيل مع الجريمة كحادث فردي ارتكبه فقط ايجال عمير.

أما نحن الذين نعاني من الإرهاب الخارجي «الأميركي والإسرائيلي» فقد صرفنا أنظارنا عنه ورحنا ندستر الإرهاب الداخلي في وجه الجميع، وكأننا ندعو الشرق والغرب لمزيد من الاعتداء على حقوقنا وحرياتنا واستقلال أوطاننا، وإلى مزيد من التطاول على ديننا الحنيف ورسولنا الكريم وأقصانا الذي باركه الله، فنحن باعترافنا إرهابيون ونستحق ذلك!