أقيم المعرض الدولي للكتاب في باريس هذا العام من 23 إلى 27 مارس على مساحة خمسة هكتارات من الفضاءات التي تفتحها كل بلدان العالم على ثقافاتها وكتابها ومبدعيها، حتى يدخلوا من خلال هذه المناسبة الكبرى للمجال العالمي بفضل الاتصالات والترجمات وعقود النشر.

وككل عام أتجول في المعرض منذ ربع قرن وبانتظام، أحس بضالتي وهزال حضارتي وغياب لغة الضاد بسبب غياب العرب من المعرض الذي تعتبره سوانا من الأمم فرصة سنوية سانحة ونادرة للتعريف بثرائها وتميزها وتسجيل حضورها بين جمهور الغرب الذي يقرأ كثيرا جدا ويتلهف على الجديد من إبداعات الأمم الأخرى.

وكل عام تختار إدارة المعرض ثقافة من الثقافات لتكون ضيفة الشرف على المعرض، وتحاور بفضل مثقفيها نخبة الغرب في عقر داره، وهذا العام يكون الضيف الرسمي هو الكتاب الهندي، ومن خلال الكتاب فإن الهند كلها بحضارتها العريقة ومعالمها السياحية وأدبها المتميز تكون لمدة أسبوع وعلى مدى المستقبل في قلب الحدث الثقافي الفرنسي والأوروبي عموما،

وقد أرسلت الحكومة الهندية ثلاثين من أبرز مبدعيها ليوقعوا على مؤلفاتهم ويتحاوروا مع جمهور القراء من زوار المعرض وقد اهتمت الصحف الفرنسية ووسائل الاتصال الأوروبية بهم، وصدر يوم الجمعة الملحق الأدبي من الصحيفة الوطنية الباريسية الكبرى( لوموند) مخصصا للأدب الهندي.

وكان العام الماضي ضيف الشرف هو الفكر الروسي الحديث وحل بين ظهرانينا بباريس أكثر من أربعين كاتبا روسيا، في مقدمتهم الكاتب الكبير الحائز على جائزة نوبل للآداب ألكسندر سولجنتسين وفي العام ما قبل الماضي كان الضيف هو الصين، حيث دخل الأدب الصيني بقوة منذ ذلك الحضور إلى اللغة الفرنسية ليفتح أبواب العقول الغربية للصين قبل فتح أسواق الغرب للبضاعة الصينية.

إنها بحق فرصة الأمم للحوار مع الغرب لا على أساس دبلوماسي بل أهم وأعمق من ذلك على أساس الحضارة وتأكيد الهوية وفرض احترام الناس للخصوصيات وخدمة المصالح الاقتصادية والاستراتيجية بفضل الكتاب والكلمة والفكر. هذا هو المعرض الدولي للكتاب الذي نضيع نحن العرب موعدنا معه لأننا مع الأسف لم نفهم بعد رسالة الثقافة في خدمة الأمة ولم ندرك بعد كيف نتقدم للعالم بكتابنا حتى يتخلى الغرب عن تصوراته الساذجة لنا كأمة يشوه أعداؤها صورتها وتاريخها وقضاياها.

بل نحن العرب أحوج من الصين والهند وروسيا للتحاور مع ثقافات الغرب والدخول إلى رأيه العام لنرفع تلك المغالطات التي ترسم عنا صورة المتخلف الإرهابي. ولكن لا حياة لمن تنادي فقد ظللنا على هامش هذه المناسبات العالمية خارج الصف، مع ما وهبنا الله من عقول مفكرة ومواهب مبتكرة وتراث يحترمه العالم وإسهامات في العلوم والآداب والفنون نعتز بها ونفخر، ولدينا كذلك المال وعندنا منظمة نشترك جميعا في تمويلها وهي منظمة التربية والثقافة والعلوم (الألكسو)التابعة لجامعة الدول العربية ويديرها رجل من أبرز مثقفينا هو الدكتور المنجي بوسنينة.

أليس من أول بنود ميثاق هذه المنظمة العمل على إشعاع الثقافة العربية خارج الحدود وإثراء حوار الحضارات؟ فما الذي دهى العرب ليكونوا غائبين عن كل المواعيد الدولية المتاحة لهم، وكنت في مقال سابق تأسفت باسمكم أيها الزملاء العرب عن غيابنا الغريب عن المعرض الدولي للكتاب بفرانكفورت الألمانية.

أما الأدهى والأمر فهو ما لا يخفاكم من حضور دولة إسرائيل بجناح في معرض باريس وجناح في معرض فرانكفورت، لا يقلان حجما عن الجناح الأميركي، وفيه من الدعاية وفرض الرؤية الإسرائيلية لقضية فلسطين ما يخدم مصلحة إسرائيل ويغمض حق العرب، أي أن أعداءنا ينتصرون علينا على هذه الجبهات أيضا، وهي جبهات أهملناها في زحمة الأزمات والصدمات، أدعو الله سبحانه أن يوقظنا من سبات الدهر قبل فوات الأوان انه العزيز القدير.

كاتب تونسي